ورغم إنشاء إدارة عامة لتحلية المياه المالحة، التي تحولت إلى وكالة في عام 1392هـ ثم إلى مؤسسة عامة في عام 1394هـ، استقلت في مبنيين متجاورين عن مبنى الوزارة يقعان بشارع خزام في جدة (طريق مكة المكرمة)، ومنها بدأت الخطوات الأولى لإنشاء محطات لتحلية المياه المالحة، فإن الرؤية لم تكن قد تبلورت بعد، خاصة في قناعة المسؤولين في الجهات العليا بكون التحلية هي الحل الأمثل والأخير، فما زال بصيص من أمل في بديل أرقى مثالية وأنقى شفافية لحل جذري لمشكلة نقص المياه العذبة في السعودية، وظل البحث في جولة أخرى للحصول على البدائل.
وفي هذا الشأن كلفت حكومة السعودية سبع شركات عالمية بعمل دراسات طبوغرافية على سبع مناطق في السعودية هي: الشمالية والشرقية والوسطى والغربية والجنوبية والغربية الشمالية والجنوبية، وتم تكليف الأمير محمد الفيصل مدير عام إدارة تحلية المياه المالحة بأن يكون ضابط الاتصال مع الشركة الإيطالية المكلفة بدراسة منطقة الربع الخالي، وفي وقتها تم اكتشاف أن المياه الجوفية تناقصت بمقدار ثلاثين مترا على طول الطبقة الممتدة من تبوك إلى البحرين، وهو ما يعني فاقدا هائلا من المياه يصل إلى بلايين الأطنان، وعليه تم منع شركة التنقيب عن البترول «أرامكو» من استخدام المياه الجوفية في رفع ضغط آبار البترول، كما تم البدء في ترشيد استخدام المياه للزراعة عموما.
ويمكن القول في هذا الصدد بأن مصادر المياه الجوفية كانت أقل المصادر، التي تم التفكير في الاعتماد عليها لسبب رئيسي: أنها عرضة للنضوب، خاصة إذا ما فاق السحب للتعويض بمراحل، كما أن في نضوبها خطرا كبيرا، إذ إن الفراغ الذي تتركه المياه المسحوبة يمكن أن يسبب عدم الاستقرار للقشرة الأرضية وقد تتسبب في انهيارات وزلازل أرضية قد تمتد آثارها إلى مسافات بعيدة عن الموقع الأساسي، وهي - أي المياه الجوفية - مخزون غير مضمون التجدد، ويجب المحافظة عليه كاحتياطي واستراتيجي لتنمية القطاع الزراعي، الذي تتعاظم الحاجة إلى تطويره والاعتناء به في ظل ما يسود العالم من مجاعات واختلال في الأمن الغذائي.
ولأن الأمير محمد الفيصل كثير الاجتماع مع والده الملك فيصل - يرحمه الله - فتهيأت له الفرص في تجاذب أطراف الأحاديث وطرح الأفكار حول الممكن والمستحيل في بدائل الحلول المتاحة لحل مشكلة المياه في السعودية، والحديث في هذا الموضوع يكون ذا شجون، خاصة أن هذا الموضوع من المواضيع الشائكة والعويصة والمتشعبة والمعقدة، وقد يستعصي الكثير من البدائل له.
ولعل أكثر البدائل توسعا في الطموح والخيال هو دراسة قد تمت لنقل المياه العذبة من جزيرة «ري فيوي» الواقعة قرب جزيرة مدغشقر. ومن العوامل التي شجعت على ذلك أن هذه الجزيرة تحتوي على نهر ليس بطويل، لكن كمية المياه المتدفقة منه هائلة ومهدرة في البحر، بينما الجزيرة نفسها مهجورة وشبه خالية من السكان.
محطة تحلية ضبا
وبعد الانتهاء من كل الدراسات عن مصادر المياه العذبة في السعودية وفي المناطق المحيطة بها، ومقارنة البدائل، خاصة الخارجية منها، وجد أن التكلفة المالية باهظة، ناهيك عن التكلفة السياسية التي تتمثل في الاعتماد في هذا الأمر الحيوي على دول أخرى وتم الانتهاء أخيرا إلى أن تحلية مياه البحر أحد الحلول الأكثر جاذبية ولا ننسى أنها حصيلة كل هذه الدراسات واستعراض تلك البدائل المتعددة فكان من نتائجها إقرار بناء محطات تحلية مياه البحر، كان هذا الحل الممكن والبديل الأفضل لتوفير المياه العذبة لسكان السعودية، ويرجع ذلك بعد توفيق الله لجهود وفكر الأمير محمد بن فيصل بن عبد العزيز آل سعود الذي لم يكن يألو جهدا في استقصاء جميع الخيارات، محليا وإقليميا ودوليا.
ولو استشعرنا مرئيات الأمير وهو خارج مسؤولية الإدارة الآن عن مستقبل التحلية لكان رأيه مزيدا من الأبحاث لربط مياه البحر التي لا تنفد بالطاقة الشمسية التي لا تنفد، وبهما تستطيع السعودية إنتاج الماء والكهرباء بأقل تكلفة من أي بلد في العالم، على امتداد أطول عمر لأي محطة، وعليها تزدهر البلاد وينعم العباد بقوة الاقتصاد، ويأخذ النمو في معدلاته العالية مستمرا ومستقرا، وربما يزيد الأمير أن نبدأ بتشغيل المحطات الصغيرة باستخدام الطاقة الشمسية وعلى محطة «الوجه» بالذات كما بدأناها أول محطة لتحلية مياه البحر المالحة في السعودية.
الوجه وضبا بداية الانطلاقة
مدينة الوجه
ودخلت السعودية بعد ذلك عصر الماء العذب المحلى من مياه البحر حيث بعد عصر الكنداسة لم تعرف مدينة جدة تحلية مياه البحر وكانت محطات التحلية في السعودية قد اقتصرت على مدينتين ساحليتين صغيرتين هما الوجه وضبا اللتان ارتوتا بأولى قطرات الماء العذب المحلى من مياه البحر في البلاد وقد بدأت أعمال الإنشاء لهاتين المحطتين في عام 1387هـ وبدأ التشغيل والإنتاج بعد ذلك بعامين، وكانت المحطتان أحاديتي الغرض وتعملان بطريقة التبخير الوميضي، ولكل منهما طاقة تصديرية بمقدار 198 مترا مكعبا من المياه المحلاة يوميا لتتوالى مشاريع التحلية وتعم كل المناطق وتسقي أعالي الجبال ومدن السواحل والصحاري وحققت السعودية الريادة في ذلك، كما تم إنشاء معهد لأبحاث تحلية المياه المالحة، قام خلال ربع قرن هو عمره بإجراء دراسات بحثية مختلفة في مجال تحلية المياه المالحة بأسلوب تجاري، ويقع المعهد بجانب محطات التحلية والقوى الكهربائية بالجبيل على الساحل الشرقي من السعودية، وحقق المعهد إنجازات عالمية وبراءات اختراع وجوائز محلية ودولية ومع كل ذلك أصبحت السعودية من الدول الرائدة في تقنية تحلية المياه المالحة وتوفير الماء العذب المحلى إلى السكان في جميع مناطق البلاد.
يتبع إن شاء الله




رد مع اقتباس

المفضلات