الإنجازات السابقة على قدر ما بذل فيها من جهد ومال لم تعد تكفي، لأن مصادرها محدودة.
ولعل من الأقدار السعيدة في ذلك الوقت من عام 1367هـ أن الملك عبد العزيز آل سعود - رحمه الله - استقدم خبرات أجنبية للبحث عن منابع للمياه في السعودية فكان أن وجدوا البترول والغاز وليس الماء!
ورغم الأهمية الكبرى لهذا الاكتشاف فإن الحاجة القصوى للمياه العذبة تبقى ضرورة ملحة في هذه البلاد، الأمر الذي دعا إلى استعراض كل ما يمكن بما فيه المستحيل، لمعرفة العوائق والصعوبات التي تكتنف جميع خيارات توفير المياه من تلقيح للسحب إذا ما وجدت (المطر الصناعي) أو جلب المياه من بلاد قريبة مثل السند وتركيا ومن نهر النيل في مصر رغم أن المصريين يستسقون طلبا للغيث ومزيد من الأمطار على دول منبع نهر النيل، خاصة على أراضي أوغندا، حيث تقع بحيرة فيكتوريا، المصدر الرئيسي لتدفق نهر النيل، وكيف بنا إذن أن نفكر في بلاد السند وتركيا أو حتى التفكير في جلب الماء العذب بالسفن، ونحن لا نضمن نقل البترول للأسواق العالمية حال حدوث صراع دولي مفاجئ في هذه المنطقة الحساسة من العالم!
نقص الماء العذب أحد أهم عناصر حياة الإنسان أصبح معضلة الوجود الإنساني على كوكبنا (الأرض) فلا حياة من دونه متوفرا وبكميات كافية، هذا الشعور بالصعوبة في الحصول على الماء العذب في السعودية جعلها مشكلة، ومشكلة تبدو مستعصية، مما دفع بالكثير من مفكري ما بعد العقدين السابع والثامن من القرن العشرين أن يجنحوا طويلا نحو التفكير فيما وراء الواقع والممكن، واستحداث ما يشبه المستحيل أو هو أقرب، مثل إحداث تفجير هائل في منطقة الربع الخالي، أو جلب جبال الثلج، أو إغلاق مضيق هرمز، حتى تصبح مياه الخليج عذبة من مصدره الرئيسي شط العرب، وإذا ما أطلق العنان لمزيد من الخيال فقد تم استعراض فكرة شق القناة العربية لربط الخليج العربي شرقا بالبحر الأحمر غربا رغم أن هضبة نجد ترتفع 630 قدما عن سطح البحر.
وإذا ما استمر الحديث عن عالم الخيال والإبداع من أجل البحث عن بدائل الخيارات لحل مشكلات أو معوقات التنمية في السعودية، فإن الأمير محمد الفيصل - الابن الثاني للملك فيصل يرحمه الله - يقف وراء معظم هذه الأفكار، خاصة حثه المتواصل من أجل إيجاد حل جذري لكل مشكلة دون نهاية، إنه في شخصه فلك من المعطيات لكنه يدور في مساره خارج نطاق الممكن، لأن الرجل لا يكتفي بالحلول النسبية، إنه يطمع في حل المشكلة جذريا وبما يرضاه هو لوطنه، لكنها المعاناة الأبدية لمن يقتحمون مجال الأبحاث لحل مشكلات أوطانهم
إن الأبحاث في الدول النامية ومنها السعودية تفتقر إلى البناء النظري (وجود نظرية) فترى الأمير منذ شبابه وهو مغرم بحب الخوض في كل بحث له علاقة بشأن بلده وتعد محاولاته البدائية وتجاربه دليلا واضحا على اهتماماته وجديته في الإسهام لحل كل مشكلة تعترض طريق النمو في بلده.
ومن أهم المحاولات التي قام بتنفيذها والد الأمير الملك فيصل - يرحمه الله إقرار مشروع التحلية لمياه البحر، بناء على زيارة قام بها الأمير لبعض محطات التحلية الصغيرة الحجم، لغرض محدود جدا كالفنادق والبواخر والقصور مع إمكانية التوسع في القدرة الإنتاجية لهذه المحطات، حسب ما هو مطلوب حجما وإنتاجا.
وبالفعل تم إنشاء إدارة لتحلية مياه البحر في وزارة الزراعة والمياه، وأسندت مهمة هذه الإدارة للأمير محمد الفيصل بعد نقل وظيفته من مؤسسة النقد العربي السعودي حيث كان يعمل آنذاك، وفي العام نفسه 1385هـ أخذت الإدارة العامة لتحلية المياه المالحة في وزارة الزراعة برئاسة الأمير تتهيأ للبدء في الخطوات الأولية من دراسة للجدوى وإعداد للبحوث والدراسات في مجال التحلية خصوصا، والمياه عموما.
يتبع إن شاء الله



رد مع اقتباس

المفضلات