يمكن اعتبار يوم الجمعة غرة شهر المحرم 1367هـ، يوما تاريخيا في حياة مدينة جدة، حيث استبشر الناس خيرا وكسا التفاؤل قلوبهم، واطمأنت نفوسهم، ففيه تدفقت المياه عذبة غزيرة من عيون وادي فاطمة إلى مدينتهم، لدرجة أن كميات المياه العذبة المسحوبة من عيون وادي فاطمة كانت تفوق بكثير حاجة سكان مدينة جدة، وكان العاملون في خزان تجميع المياه يضطرون إلى تفريغ المياه العذبة الفائضة في الأرض ساعات طويلة، تمتد أحيانا من بعد الساعة الثانية ظهرا حتى فجر اليوم التالي، تخفيفا من احتمال أن تنفجر المواسير الحاملة للمياه من عيون وادي فاطمة، ومما يثبت واقع هذه الحقيقة ظهور مزرعة كبيرة سميت بمزرعة كيلو 10 قرب خزان تجميع المياه، وأصبحت من أكبر المزارع حول المدينة.

وفي الخامس من الشهر نفسه من العام نفسه أقيم احتفال شعبي كبير في الضاحية الشمالية من جدة بهذه المناسبة، شرفه ولي العهد آنذاك الأمير سعود بن عبد العزيز آل سعود، وتبادل الناس فيه التهاني بهذا المشروع الخيري العظيم والدعاء لصاحب اليد الطولى في إنشائه وتوزيعه على حسابه الخاص مجانا، والابتهال إلى الله له بالثواب، لقاء معروفه الشامل والدائم، الملك عبد العزيز آل سعود.

وما إن أمّن الناس مصدر حياتهم من المياه عذبا واطمأنوا باستمراره فوق الكفاية، حتى تمادوا في الاستهلاك دون وعي بالعاقبة، وتطاولوا في رفع حواجب أعينهم إلى ما وراء سور مدينة جدة، فكان أن تم هدم السور، وتكونت أحياء سكنية جديدة تتطلب بالضرورة مدها بالمياه العذبة، وكان لا بد من إنشاء شبكة مياه لأول مرة في مدينة جدة. وبدأت إدارة العين العزيزية بتوصيل مواسير المياه مباشرة إلى المنازل، وهذا بدوره أدى إلى جعل المياه متاحة للجميع ومن دون مقابل تقريبا، 15 هللة من كل مستهلك عن كل طن أو متر مكعب واحد، مقابل صيانة شبكة توزيع المياه، فزاد استهلاك المدينة 3 أضعاف ما قد تم تقديره، ولم تعد المياه التي تصل من عيون وادي فاطمة كافية لسد احتياجات سكان مدينة جدة ليتساوى على الأقل مع معدل النمو السكاني والتوسع العمراني فيها وكان لزاما على إدارة العين العزيزية أن تبحث عن مصدر آخر للماء، وكان لا مناص من الاتجاه نحو وادي خليص وإلى مسافة تبعد 150 كيلومترا عبر أراض وعرة صلبة وصخور جامدة جدا صلدة وقاسية وبالفعل تم جلب المياه العذبة من وادي خليص في شهر ذي القعدة عام 1378هـ.



وكان معلوما أن أعمال عين العزيزية الخيرية لا تقتصر على مدينة جدة وأهلها، وإنما المبدأ الأساسي من إنشاء العين وجعلها وقفا خيريا هو لخدمة حجاج بيت الله الحرام، الذي سعى الملك عبد العزيز آل سعود - يرحمه الله - إلى تحقيقه بأي ثمن، وبناء عليه قامت إدارة العين العزيزية بالدفع بالماء العذب، ومد شبكاته إلى مسافة بطول 450 كيلومترا من خطوط أنابيب عبر مكة - جدة، كما تم عمل «كباسات» نقاط توزيع يتوفر منها الماء العذب وعلى مسافات متقاربة فأصبح بالإمكان لأهل مكة وللحاج والزائر والمعتمر أن ينعموا بالأمان والاطمئنان وراحة البال وأن يسدوا حاجتهم من الماء العذب في الشرب والوضوء والاغتسال وسائر الأحوال بسهولة ويسر.. لقد كان عملا خيريا عظيما خدم الإسلام والمسلمين - رحم الله الملك عبد العزيز.
الحقيقة أن الأعمال الخيرية التي تقوم بها العين العزيزية لم تقتصر على إيصال الماء العذب، وإنما قامت بعدد من المشاريع الوقفية: أهمها بناء مسجد كبير بمدينة حجاج البحر، تصل مساحته إلى نحو 1500 متر مربع، وبه ملحق لقسم النساء مساحته 500 متر مربع كما أقامت خزان مياه خاصا لحجاج البحر وقت وصولهم سعته 2.600 متر مكعب إضافة إلى أعمال الترميم المستمرة في مدينة الحجاج.



كباس

ولما كان الملك فيصل بن عبد العزيز - يرحمه الله - نائبا لوالده على الحجاز أضفى على مشروع العين العزيزية الخيرية قسطا وافرا من اهتماماته، منها الدعم المالي اللامحدود، والمتمثل في مشاريعها الاستثمارية في مجال العقار، وعلى أراض تم منحها للعين بأمر منه لدعم إدارة العين العزيزية الفنية والإدارية المتزايدة عاما بعد عام، وحتى يضمن لها نوعا من التمويل الذاتي المستمر، حرصا منه - يرحمه الله - على توفير المياه العذبة لما يستجد من أحياء حديثة في مدينة جدة، وبالفعل فقد استجد ما لم يكن في الحسبان.


يتبع إن شاء الله