كانت وسائل الإعلام آنذاك محدودة إلا من مجالس الأهالي خاصة التجار فكان يوعز لمن يراه منهم أن يثير مسألة إمكانية إيجاد بدائل من حلول لتوفير المياه العذبة لكل من مدينتي ينبع وجدة، وكان حدسه صائبا، فكانت مجالس الوجهاء والتجار عامرة بالحديث عن أهمية إيجاد حل دائم لوضع الماء في المدينتين، وكانت وسيلة إعلام ناجحة استطاع الملك أن يستشف منها رؤية المجتمع في أحواله ومشكلاته، وكان - يرحمه الله - جم التواضع، لين الجانب، كريم السجايا، واسع البال، يسمع التفكير وله القرار الأخير، وجاء التفكير من مجالس الأهالي أن يتبرعوا لجلب المياه من وادي فاطمة، وما إن علم الملك عبد العزيز بما في إعلام مجالس التجار حتى قاد الفكرة بنفسه، فأحبوه ونصروه ودعموه بالمال، فأعاد التبرعات لأصحابها، وأمر بتنفيذ جلب المياه بأنابيب من وادي فاطمة إلى مدينة جدة على حسابه الخاص.



ولأن ينبع ينبعان، أحد الاسمين لينبع النخل والآخر لينبع البحر، فإن الفكرة قد لحقت بهما أيضا، وتم اعتماد خط أنابيب من ينبع النخل إلى ينبع البحر، لإيصال المياه العذبة إلى ينبع البحر، حيث شدة ندرة المياه الصالحة للشرب، خاصة في موسم الحج والزيارة، لأن ينبع البحر فرضة المدينة المنورة، كما تعتبر جدة ميناء الحجيج إلى مكة المكرمة ولأن هاتين المدينتين قد عانتا الشيء الكثير في سبيل الحصول على مياه الشرب، فقد حظيتا بتوفيره عبر الأنابيب مباشرة من العيون إلى المدينة في كل من ينبع وجدة، ولما كانت الفكرة جديرة بالاهتمام، وهي بالفعل عين الصواب لحل مشكلة نقص المياه في ذاك الوقت، فإن تنفيذها يحتاج إلى فطنة وكياسة ودراية ولباقة في سياسة أمور الدولة.


هنا يكون الملك عبد العزيز بهذه الصفات قد أخذ العزم والتصميم على تنفيذ المشروع، لكنه لم يدع ملاك العيون إلى قصره، ويهدد ويزبد ويرعد، ولم يرسل جنودا وحرسا إلى وادي فاطمة لإجبار أصحاب العيون على الطاعة، وأخذ عيون مزارعهم بالقوة، بل كان حكيما، فأمر بإرسال حكم من أهل العيون هو الشريف عبد الله جساس مندوبا من الأهالي، وحكم آخر من إدارة حكومته ممثلا لوزارة المالية، هو الشيخ صالح قزاز، وكانت توجيهاته مكتوبة لوزير ماليته عبد الله السليمان بالموافقة على اعتماد أي مبلغ يرضونه عوضا عن سحب المياه من عيون مزارعهم بالوادي.



وفي صبيحة اليوم الثاني من شهر محرم 1364هـ، اجتمعت الهيئة المكلفة مع ملاك عيون مياه وادي فاطمة، وعددها 8 هي: عين أبي شعيب، وعين الروضة، وعين الجموم، وعين الحسنية، وعين أبي عروة، وعين الهنية، وعين الخيف، وعين البرقة، وكان مقر الاجتماع في مخيم الخيف بوادي فاطمة.


صورة توضح معاناة الناس وهمهم اليومي مع الماء في الماضي

وجاء في بنود الاتفاق، الالتزام بإصلاح العيون وتعميرها، وتكون تكلفة ذلك مناصفة بين الملك عبد العزيز وملاك العيون، باستثناء عين البرقة، فتكون نفقة إصلاحها وتعميرها كلها على نفقة الملك عبد العزيز الخاصة، ومن البنود أيضا جاء الاتفاق على أن يؤخذ من كل عين ثمن كمية الماء الموجودة فيها، على أن يدفع الملك عبد العزيز، طبعا من جيبه الخاص، مبلغ 45 ألف ريال عن كل عين ماء في وادي فاطمة، وتم تكليف مؤسسة محمد بن لادن بتنفيذ مشروع العين العزيزية، نسبة إلى مؤسسها الملك عبد العزيز آل سعود - رحمه الله - وكان ذلك في منتصف عام 1365هـ، ولقد أنجزت مؤسسة محمد بن لادن عملها كاملا في الوقت المحدد وبكفاءة، أي بعد عام ونصف العام من بدء التنفيذ.

ورغم أن تاريخ هذه الفترة يتزامن في وقته مع توقف الحرب العالمية الثانية واستمرار آثار الدمار لسنوات لاحقة، فإنه تم القيام بالكشف على مجاري العيون وترميمها وإصلاح قنواتها وتنظيمها ومن بعد مد أنابيب مصنوعة من الأسبستوس والإسمنت التي تتناسب مواصفاتها مع نوعية التربة المحلية في المنطقة، وبقطر يتراوح في حدود 300 ملم، كما تم إنشاء خزان كبير لتجميع المياه في طريق مكة الكيلو 14، وقد استمر العمل بكل جهد واجتهاد في الحفريات وعمليات نقل المواسير مع عدم توفر معدات وآليات للحفر، كما أن كفاءة الخبرة في مثل هذه المشاريع كانت محدودة أيضا بسبب ظروف آثار الحرب، ومع هذا أمكن جلب خبراء للمشروع من مصر وبريطانيا، يتمثلون في شركة «هنكي» البريطانية، التي قامت بتأمين الأنابيب وعمل التوصيلات اللازمة وإيصال الماء من عيون وادي فاطمة إلى مدينة جدة بمسافة 65 كيلومترا من عين أبي شعيب بالوادي.


صورة توضح البازان والزحام حوله

باشرت العين العزيزية إدارتها بخمسة أو ستة موظفين، كما أنيطت رئاسة إدارة هذه العين لأول مرة بالشيخ عثمان بن علي باعثمان - رحمه الله - الذي بقي في رئاسة إدارتها عشرين عاما حتى وفاته، وجاء خليفته من بعده ابن أخته الشيخ حسين محمد الصافي، وكانت ميزانية إدارة العين آنذاك ثلاثة آلاف ريال فقط، ولعل صغر حجم إدارة العين ومحدودية النفقة عليها يعكس حدود مدينة جدة وتقدير حاجتها بحدود سور المدينة، لدرجة أنه نظرا لبعد المسافة بين خزان تجميع المياه والمدينة قامت إدارة العين العزيزية بمد أنابيب أخرى من الخزان إلى أماكن معينة داخل مدينة جدة على شكل بازانات لتوزيع المياه منها لمن يحتاج

وكان من أهم نقاط توزيع المياه هذه: بازانات القشلة والهنداوية والرويس والنزلة والشرفية وكيلو 4 والتكارنة والسبيل والبخارية والثعالبة والقريات والمحجر، وتفتح هذه البازانات من بعد صلاة الفجر وحتى الساعة الثانية ظهرا، وتتم سقيا المنازل من هذه البازانات بواسطة براميل تجرها الحمير وبعضهم كان يجلب الماء من البازانات على ظهره، والبعض الآخر يحمل الماء من البازانات على رأسه، وكان السكان يدفعون للسقائين مقابل نقل المياه من البازانات إلى بيوتهم، حيث لم تكن هناك توصيلات منزلية.



للحديث بقية إن شاء الله