لم تعد الكنداسة ذات شأن في سد الاحتياج، إذ لم يكن إنتاجه وفيرا وكافيا لسقيا أهل جدة، ناهيك عن الوافدين إليها، وربما يصيبك الفزع وأنت تشاهد الأطفال والنساء يتسابقون وراء براميل المياه التي تجرها الحمير أملا في الحصول على بعض منه، هذا بالإضافة إلى كون الكنداسة يعتريها العطل بين الفينة والأخرى، مما كان يعرضها للتوقف، ذلك لعدم وجود وقت لإجراء عمليات الصيانة المنتظمة من شدة الطلب المستمر والمتزايد على مياهها.

فقد كان الناس يريدون الماء ويريدونه الآن، حياة عويصة مزرية وحالة صعبة معقدة، أصبح الوضع متأزما لدرجة أن الموظف الذي كان يتولى إدارة الكنداسة لم تعجبه حال نفسه ولا أحوال الناس ممن حوله فشعر بالضجر والامتعاض أمام ضغط الأهالي من السكان وهم يتزاحمون صباح مساء بحثا عن شربة ماء فأصيب الرجل بالإرهاق والإحباط فالانهيار، ومن المضحك المبكي أن القائم على الكنداسة قرر ومن حيث لا يشعر أن يبيعها، ظنا منه أن من يشتريها يستطيع أن يحل معضلة توفير الماء الكافي منها، ناسيا أنه لا يملكها أصلا.



الكنداسة




الفحم الحجري الوقود المخصص للكنداسة



ويبدو أن مشكلة مياه الكنداسة لا تقف عند حد العجز عن توفير مياه الشرب، وإنما هو سعر ماء الكنداسة الذي لم يكن في متناول الفقير والعاجز والضعيف، فماؤها لميسوري الحال من أهالي جدة والأقوياء ومن لهم سلطة الجاه في الحصول على المياه، وكانت قريحة الشاعر والأديب محمد سعيد العتيبي قد جاءت بقصيدة تعبيرا صادقا لصورة الواقع المؤلم من حال الكنداسة فيقول:


[poem=font="Simplified Arabic,6,black,bold,normal" bkcolor="transparent" bkimage="" border="none,4,gray" type=2 line=0 align=center use=ex num="0,black""] يا ذوي الرأي والحجى والكياسة= خلصونا من دوشة الكنداسة
كلكم تأخذون بالدس ماء= ويجينا البلاء من أجل كاسه
لو عطشتم كما عطشنا زعقتم=وهجرتم بشدة وحماسة
رحمة بالفقير فهو ضعيف =بهدل الفقر عقله وحواسه
يشتري شربة بريال= بعد أن باع قشه ونحاسه[/poem]




لقد كانت مفردات القصيدة بحق انعكاسا واضحا لمشاعر الغلابى من الأهالي والمقيمين، وخص منهم العطشى فقراء ومساكين، وزاد من كربة هؤلاء وأولئك أن الكنداسة أخذت تتوقف بشكل متكرر، بسبب العجز في تلبية الطلب المتزايد، فعاد مركز ثقل الشرب والاستعمال إلى ماء العين الوزيرية والصهاريج والآبار مرة أخرى.




الزحام حول الكنداسة


وزاد الحال سوءا عندما اشتدت آثار الحرب الإقليمية دوليا ومحليا، كانت أهمية الكنداسة قصوى، وتم إصلاحها، وعادت للإنتاج، ثم استمرت تعمل ولكن بتقطع، وفجأة توقف إمداد الطاقة لتشغيل الكنداسة ولم يعد ما يكفي من وقود الفحم الحجري لتحريك الآلة، وفشلت كل محاولات الإصلاح، مما اضطر القائمين على إدارة الكنداسة إلى استخدام وقود الحطب الذي عجل بخرابها النهائي عام 1344هـ.


في هذه الفترة الحرجة من حدة الصراعات الدولية على مناطق النفوذ في العالم كان الملك عبد العزيز قد وطد حكمه، وأرسى قواعده، وعمم الاستقرار والأمان، فزاد نمو المدينة، وارتفع معدل زيادة السكان فيها، وزادت حركة التجارة وتوسعت علاقة مدينة جدة مع الخارج، كل هذا قد فاق ما كان يتصوره لسد حاجة المياه العذبة، وأدرك أن الحاجة ماسة، وأن لا مجال لضياع الوقت، حتى تأتي بدائل الحلول، واستعجل أمره باستيراد آلتين كبيرتين عام 1346هـ، قامتا بمهمة تقطير الماء من البحر، إلا أن السباق في توفير مياه الشرب كان في صالح ضغط الطلب المتزايد والمستمر، وأصبح الجور في تشغيل المحطة فوق طاقتها الفنية سببا في توقف إحدى الآلتين المجلوبتين حديثا.

ومع نهاية الحرب العالمية الأولى وبداية حركة الانتعاش والتوسع في العمران بشكل خاص، أدى شح المياه النقية وندرتها في المدينة إلى أن الناس كانوا يتعاملون معها بكثير من العناية والاهتمام، وكان الماء النقي والصالح للشرب مثل الذهب أو أكثر قيمة، فتنوعوا في كيفية الاستعمال، وأصبح الذين يستطيعون شراء ماء الكنداسة يستعملونه فقط للشرب والشاي والطعام، كما تعودوا على استعمال مياه الصهاريج ومياه «الرديخ» للاستحمام والتنظيف.

وسارت الأمور على هذا المنوال بين الخوف والرجاء في حياة الكنداسة، إلا أن شبح الحرب العالمية الثانية قد لاح، وكانت أكثر شراسة عن ذي قبل، استخدمت فيها أحدث أنواع الدمار آنذاك من أساطيل الجو والبحر ومن قاطرات البر المدججة بالأفراد والعتاد. فكانت السماء دخانا والأرض دماء، وحالة مدينة جدة ثغر البحر الأحمر تستغيث من شح المياه النقية وندرتها.


وفي الفترة الزمنية نفسها حصل عطل مفاجئ في الكنداسة، وحدث معه فزع كبير بين الناس، وخاف بعضهم من الموت عطشا، وهو ما جعل مهندسي الكنداسة يواصلون الليل بالنهار لإصلاحها، لدرجة أنهم صنعوا قطع غيار محليا بواسطة المخرطة، حيث كانت الاستحالة باستيراد قطع الغيار بسبب تأثير الحرب الدائرة رحاها على أوجه الحياة في العالم، وبعد ثلاثة أيام فقط عادت المياه الحلوة تتدفق من الكنداسة من جديد، لكن الخوف ظل سائدا بين الناس من احتمال تعطلها مرة أخرى، وقد تزامن مع ذلك أن اقترح بعض أهالي جدة التبرع لجلب الماء من عيون وادي فاطمة، وحاول رئيس الكنداسة محمد السليمان التركي ومساعده عبد الله الحسون - رحمهما الله - إقناع الأهالي بالتعامل مع الكنداسة لتكون أحد روافد المياه العذبة لمدينة جدة، ولكنهم من شدة معاناتهم الطويلة مع الكنداسة رفضوها، ورفضوا حتى ذكرها، وفي حينه أمر الملك عبد العزيز آل سعود بتشكيل لجنة برئاسة وزير المالية للنظر في حقيقة وضع الكنداسة ولمعرفة الأسباب التي أدت إلى خرابها، وجاء قرار اللجنة من كلمتين مضمونهما، كلمة واحدة من ثلاثة أحرف: عمرها «غلق»،
أي مدة صلاحيتها قد انتهت.


كان الملك عبد العزيز حاد الذكاء فطرة، وكان دائما يرغب في الاستشارة، ولكن بطرق غير مباشرة، بل كان يرى في الإعلام أفضل وسيلة لجس نبض المجتمع حول فكرة إنشاء جديد أو فكرة تغيير ما هو قديم، فهو ليس فردي النزعة، كما أن قراراته ليست خاطرة في يوم أو ليلة، بمعنى أنه يفضل الإيعاز للإعلام بطرح القضية أو الفكرة وتركها للتداول بأقلام المهتمين بها، حتى يتم استعراض الحلول وجميع البدائل
ومن ثم يأخذ بأحسنها.




يتبع إن شاء الله