[ALIGN=CENTER]نموذج من نثره[/ALIGN]
[ALIGN=CENTER]أزمة الحداثة العربية[/ALIGN]
[ALIGN=JUSTIFY]ثمة تساؤلات كثيرة تفرضها جدلية الوجود والعدم في مسار الحداثة العربية ، وتتصادى مفاعيلها الحادة في الفكر العربي المعاصر دون أي إجابات يمكن أن تفسر ( لا تبرر ) إشكالاتها المتراكمة بمعزل عن تحققها الوجودي في المجتمع العربي .
فمنذ الصدام الحضاري بين العرب والغرب إبان الحملة الفرنسية على مصر ما زال سؤال الحداثة العربية يتجدد طرحه حتى اليوم دون أي تمثلات واقعية منجزة تنتج آثاره الفاعلة في مجتمع يطبق بتجاوز إيجابي مفردات تلك الحداثة .
وإذا كانت دهشة الحداثة رغم فجيعتها في المجتمع العربي قد خلقت نوعا من الانسياق المأخوذ لدى النحب الثقافية العربية بدايات القرن الماضي بالنموذج الاستعماري( والذي هو نتاج الحداثة الأوربية بامتياز ) كانعكاس للعلاقة الجدلية بين المستعمِر والمستعمَر بحسب ابن خلدون ما أدى إلى ترسم خطى النموذج الغربي في محاولة استنساخ حرفي لهذا النموذج دون أي انتباه لمفارقات الوعي بسبب تلك الدهشة أو الصدمة . فإن ما انحسر اليوم ـ بسبب الرؤية الزمنية المفارقة ـ عن ذلك الاستنساخ دلل تماما على مدى السذاجة والاستسهال في التزام النموذج الغربي دون ممارسة مهمة الاختيار الحضاري ( التي مارستها اليابان ودول الآسيان في ما بعد ) والتي ربما خالطت أفق الرؤية فيها ضبابات الدهشة فصعب التجلي فيها دون أن يكون مستحيلا ـ إذ تبين لنا أن الاهتمام بمشمولات الحداثة ومفرداتها ( الدولة الحديثة ـ المجتمع المدني ) كان نوعا من الخروج عن السياق الموضوعي لفهم اشكالية الحداثة كمشروع / مفهوم يجب تمريره من خلال رؤية نقدية تفسر وتحاكم وتختار بأسلوب يستند على وعي الذات ( التراث ) ووعي الأخر ( الغرب ) وإذا كان هذا الأسلوب قد ارتد علينا وفق مقولة " فاقد الشئ لا يعطيه " فإن الأفق الذي كان ممتدا في تلك اللحظة التاريخية في ديار العرب هو تمثلات " القابلية للاستعمار " بحسب مالك بن نبي ـ بخلفياتها المتكلسة ( التخلف ـ تراكمات النـزوع الجاهلي في المجتمع العربي ـ الغياب عن جوهر الإسلام ـ شرط التقاليد المنحرفة ) الأمر الذي خلق في الذهنية العربية وعيا نشأت عنه فيما بعد سيطرة أحادية هيمنت على خطاب الفكر العربي وحبست أنساقه الفكرية والثقافية والمعرفية في إطارها حتى اليوم ، اللهم إلا بعض الشظايا التي انفلتت من ذلك الإطار . وخلقت فيما بعد تيارا مخنوقا يقابل تلك الذهنية رغم الحصار الذي فرض عليه .
لقد كانت الرؤية الوثوقية اليقينية لفرض مفهوم مؤسطر للحداثة كاختيار أحادي وملزم دون أي شك أو لبس في جدواه على طريقة طه حسين في كتابه " مستقبل الثقافة في مصر " عندما قال : " فإذا أردنا أن نتقدم فعلينا أن نأخذ بأسباب الحضارة الغربية كلها حلوها ومرها خيرها وشرها إن كان فيها شر " منافية حتى لطبيعة الفكر كنتاج عقلي مشدود بتعدد وجهات النظر .
وبالرغم من التفسير الذي نراه اليوم ـ بسبب المسافة الزمنية ـ لتخلف ذلك الوعي . إلا أننا لم نزل نعيد انتاج القفز على استحقاقات تلك المرحلة دون البحث الجاد عن الأسباب والظروف التي انتجت ذلك الوعي . ما أدى في النهاية بعد أكثر من قرن ونصف إلى إعادة سؤال الحداثة .
والمظنون هنا إعادة طرح التساؤلات عن الإشكالات التي رافقت الحداثة العربية لليقين بجدوى الحوار العميق عن هذه الإشكالات بين كل تيارات الساحة العربية الليبرالية والقومية والإسلامية واليسارية لدلالة مفاعيلها السالبة على ما نراه في واقع التجزئة العربي من فشل الإيدلوجيا وبروز الفكر البراجماتي ورياح العولمة .
وفيما يلي عروض لبعض إشكالات الحداثة العربية لم يتولج فيها المعنيون بسؤال الحداثة من الكتاب والمفكرين بما يستوجب فتح ملفاتها بروح المعرفة الخلاصية بحثا عن الخروج من نفق الأزمة ، وبعيدا عن الحساسيات المؤدلجة ما يستدعي تختيم كل نقطة من تلك الإشكاليات بسؤال قديم جديد لم تتم الإجابة عليه بفعل القطع والتجاوز في ذلك الوعي المؤسطر .
فمثلا صراع العلم والكنيسة الذي أنتج الحداثة الأوربية بسبب خلعها لبوس الكنيسة ( ضمن عوامل أخرى ) هذا السؤال تم تأويله خطأ في أدبيات الحداثة العربية ، ونتجت عنه أخطاء كبيرة في بنية الفكر العربي بسبب هذا التأويل . ففي حين ازهرت الحضارة الإسلامية في المجتمع العربي الرقي والانفتاح وإنجازات الفكر الفلسفي ، والمنهج التجريبي في العلوم . أنتجت الحضارة المسيحية في نسختها المحرفة في أوروبا الحروب الدينية ، وتكريس الإقطاع والجمود والتخلف . ومن ثم كان استدعاء مفهوم صراع العلم والكنيسة في أوروبا ، والتسوية بينه وخلاف الحداثة العربية مع شكل التدين التقليدي على أنه الإسلام ( حيث كان الإسلام مغيبا تحت ركام الانحراف ) خطئا قاتلا علق الفهم الحقيقي للإسلام زمنا طويلا في بنية الوعي العربي ربما حتى الآن منذ القرن الماضي . والسؤال : لماذا لم يتم حتى الآن دراسة جدلية العلاقة بين الحداثة العربية والإسلام كمكون تاريخي للعرب كذلك تبرز إشكالية فشل المشروع القومي العربي . الذي أعاد تركيب المشروع القومي الغربي في استنساخ عروبي ورث المرارات ولم يحصد الثمرات . وبالرغم من أن الفكرة القومية الأوربية ورثت المرارات بين الأوربيين في الحروب الإقليمية في القرن التاسع عشر والحربين الكونيتين في القرن الماضي إلا أن المفاعيل الفكرية للقومية في أوروبا أسست في كل شعب على حدة روح التماهي مع القيم القومية . وتمثلها في المجتمع قبل الدولة كمعطيات وجودية حلت محل الكنيسة في روح الشعب بالتقليد العلماني وبشفافية عالية طورت فيما بعد إلى مفهوم الوطنية وتجسد ذلك في الدولة الحديثة بكل ما يحمله ذلك المفهوم من دلالات . فالقومية في أوروبا كانت تجربة ضرورية بمقدار ما هي مريرة تماما كتجربة الخروج الكبير من نفق الفكر الكنسي . وهي تجربة تاريخية اقتضتها محاولات الدمج القسري للشعوب الأوربية تحت راية الأفكار العليا للكنيسة ( والتي كانت في حقيقتها تحالف نفعي مع الإقطاع ) . أي أنها كانت ذات جدوى رغم مرارتها بينما كانت شروط نشأة الفكرة القومية العربية تخلو من أي محمول فكري . فبينما كانت الشعوب الأوربية تكتشف عبر الفكر القومي صيرورتها التاريخية تحت ضغوط التنوع اللغوي والديموغرافي الفارقة بين كل شعب وآخر من خلال القومية المشكلة له . كانت كل شروط التعريف القومي متحققة للعرب كأمة ذات رسالة تماهت تجربتها التاريخية تماما مع الإسلام كقالب " العرب مادة الإسلام " ( عمر بن الخطاب ) . ينعطف على ذلك الاكتشاف الشكلي للقومية العربية اكتشافا تنتفي الحاجة إليه . إذ تزامن ذلك " الاكتشاف " مع التشكل الأخير لقوميات أوربا في صورته اللامعة من ناحية ومع ارتداد العثمانيين إلى قوميتهم الطورانية ما أدى إلى خروج العرب من عباءة العثمانيين من ناحية أخرى .
بكلام آخر إن أهم إنجازات الفكر القومي هو شحذ روح المقاومة للاستعمار . وبخروج الاستعمار كانت الاشتراكية المعربة و " المخفّفة " هي المضمون المقولب للفكر القومي . وهي بهذا الاعتبار لا علاقة لها بمشمولات القومية العربية . والسؤال الذي يفرض نفسه هو : هل هناك فكر قومي عربي مجرد غير متلبس بالإسلام أو الاشتراكية ، وما هي إمكانات نجاح هذا الفكر كإطار للعمل العربي ؟
وإذا تجاوزنا الماركسية باعتبارها من كلاسيكيات القرن العشرين ( دون أن يعني ذلك تحنط اليساري الفكري والسياسي ) نجد أن الفكر الليبرالي بتمثلاته التي حلت محل الأيدلوجيا في القرن الماضي كالديمقراطية والعولمة ، وحقوق الإنسان هو البديل الذي أمّن فيه بعض مفكرينهاية التاريخ ( فرنسيس فوكياما ) باعتباره فكرا يتجلى دائما عبر أقنية نسجية تتبدى آثارها المرتبطة بالحريات أكثر من محدداته الفكرية . وبعيدا عن خرافة الأيدلوجيا . وهكذا تبدو المفاهيم والأشياء عبر التكنولوجيا أهم من الأفكار والمعاني ، كالديمقراطية والعولمة وحقوق الإنسان ، وغيرها من القيم المندمجة عبر تكنولوجيا الاتصال والمعلومات .
فالعولمة بالإضافة إلى آلياتها الضاغطة حتى تخوم العالم . والتغول الاقتصادي وما ينتج عن ذلك من مؤثرات مادية باهرة في يوميات البشر ، تنزع دائما إلى تذويب الفوارق المجتمعية والهويات المشكلة للشعوب من خلال ثقافة الصورة . خصوصا في عالم الجنوب . ما يقضي علينا دائما باستنطاق سؤال الوجود بالنسبة لنا كأمة . والسؤال هنا يتجدد مرة أخرى ولكن ليس في سياق التحدي والاستجابة ( بحسب توينبي ) ( حيث أن البون هائل بين التحدي والاستجابة رغم ضرورة ذلك ) . ولكن السؤال هو ماهي المنظومة الفكرية والقيمية التي تجسد الانفتاح والانضباط مع العالم دون أي مبالغات حدّية متعاكسة ؟.
واليوم في بدايات الألفية الثالثة تتجاور في واقع الحداثة العربية ثلاث حقائق تشكلت عبر مسيرة الحداثة . بعضها في الجانب السلبي والبعض الآخر من تحولات الحداثة الأوربية والغربية في سيرورتها الراهنة .
أولى هذه الحقائق أن الاتجاه الليبرالي الذي يسود العالم اليوم عبر مفرداته الفاعلة لا يمنح فكرا أو ايدلوجيا يمكن استهلاكها والاستتار وراء مفاهيمها الفكرية والسياسية ، أي أن خيار الفكر الليبرالي يقتضي بالضرورة إرساء الديمقراطية سياسيا والتسريع بوتيرة التنمية الاقتصادية بلزوم الثقافية في كلٍّ ( رغم التجاوزات الإمريكية المرتبطة بالمصالح الاستراتيجية ) وتقرير حقوق الإنسان .
ثاني هذه الحقائق أن السبب في إعادة سؤال الحداثة رغم مرور أكثر من قرن ونصف على تجربة الحداثة العربية يكمن في انشداد النخب العربية والسياسية والثقافية إلى إعادة إنتاج الأنماط الفكرية والسياسية وحتى التكنولوجية المتألقة في الغرب الراهن عبر تحولات " مسلوقة " إن صح التعبير . أي عبر إهمال الشرط التاريخي لتأسيس الحداثة ومفرداتها في المجتمع العربي ، وبمعزل عن الشروط الموضوعية لتحولات الحداثة الراسخة ، وهكذا نشتكي نحن العرب من انعدام الديمقراطية رغم وجود " البرلمانات " و " النواب " ونشتكي من التخلف رغم وجود الجامعات والمعاهد الأكاديمية ، وقس على ذلك المجتمع المدني وحقوق الإنسان وحتى مفهوم " الدولة الحديثة " في عالمنا العربي وغير ذلك من الشعارات . ولعل ذلك مما يدلل على ذلك هو أن العرب كلما تسقط الشعارات الكبرى يعودون إلى حالة ما قبل " الحداثة " ( مرحلة النـزوع الجاهلي المباشر وتخلف التقاليد ) ولكن بوسائط حديثة مما نراه اليوم في واقعنا المعاصر .[/ALIGN]
[ALIGN=LEFT]يتبع[/ALIGN]


رد مع اقتباس

المفضلات