الثانية

غضب سليمان فقال: " ما ليّ لا أرى الهدهدَ أمْ كان من الغائبين، لأعذبنّه عذاباً شديداً أو لأذبحنّه أو ليأتيَني بسلطانٍ مبينٍ " ، يقول: بعذر مبيّن لم غاب عن مسيري هذا؟

وذكر الهدهد سليمان فنهض عنه، فلما انتهى إلى العسكر تلقّته الطير وقالوا: توعّدك رسول الله، فأخبروه بما قال. قال: وكان عذاب سليمان للطير أن ينتف ريشه ويشمّسه فلا يطير أبداً، فيصير من هوامّ الأرض، أو يذبحه فلا يكون له نسل أبداً.
قال: فقال: الهدهد: أو ما استثنى رسول الله؟
قالوا: بل قال: أو ليأتيني بعذر مبين، قال: فلما أتى سليمانَ،
قال: ما غيّبك عن مسيري؟
قال: "أحطْت بما لم تُحط به وجئتك من سبأٍ بنبأٍ يقين" حتى بلغ "فانظر ماذا يرجعون".

فقال له سليمان: قد اعتللت، "سننظر أصدقْت أم كنت من الكاذبين، اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم" ، قال: فوافقها وهي في قصرها، فألقى إليها الكتاب فسقط في حِجْرها أنه كتاب كريم، وأشفقت منه، فأخذته وألقت عليه ثيابها، وأمرت بسريرها فأخرج، فخرجت فقعدت عليه، ونادت في قومها؛ فقالت لهم: "يأيها الملأ إني أُلقيَ إليّ كتاب كريم، إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم، ألا تعلوا عليّ وأتوني مسلمين


ولم أكن لأقطع أمراً حتى تشهدون، "قالوا نحن أولو قوةٍ وأولو بأسٍ شديد والأمر إليكِ فانظري ماذا تأمرين" - إلى - "وإني مرسلةٌ إليهم بهدية" ، فإن قبلها فهذا ملك من ملوك الدنيا وأنا أعزّ منه وأقوى، وإن لم يقبْلها فهذا شيء من الله.

فلما جاء سليمان الهدية قال لهم سليمان: "أتمدّوننِ بمالٍ فما آتانيَ الله خيرٌ مما آتاكم" - إلى قوله: "وهم صاغرون" ، يقول: وهم غير محمودين. قال: بعثت إليه بخرزة غير مثقوبة، فقالت: اثقب هذه، قال: فسأل سليمان الإنس فلم يكن عندهم علم ذاك، ثم سأل الجن فلم يكن عندهم علم ذاك، قال: فسأل الشياطين، فقالوا: ترسل إلى الأرَضة، فجاءت الأرَضة فأخذت شعرة في فيها فدخلت فيها فنقبتها بعد حين، فلما رجع إليها رسولها خرجت فزِعة في أول النهار من قومها وتبعها قومها



والله اعلم