الرمعة الثالثة .. قصة الغلام الذي كان يدعوا ويقول (( اللهم احشرني في حواصل الطير ))
عن أبي قدامة الشامي قال: كنت أميرًا على الجيش في بعض الغزوات، فدخلت بعض البلدان، فدعوت الناس إلى الغزو، ورغَّبتهم في الثواب، وذكرت فضل الشهادة وما لأهلها، ثم تفرق الناس، وركبت فرسي وسرت إلى منزلي، فإذا أنا بامرأة من أحسن الناس تنادي يا أبا قدامة، فقلت: هذه مكيدة من الشيطان، فمضيت ولم أجب، فقالت: ما هكذا كان الصالحون، فوقفت، فجاءت ودفعت إليَّ رقعة وخرقة مشدودة وانصرفت باكية.
فنظرت في الرقعة فإذا فيها مكتوب: إنك دعوتنا إلى الجهاد، ورغَّبتنا في الثواب، ولا قدرة لي على ذلك، فقطعت أحسن ما فيّ، وهما ضفيرتاي، وأنفذتهما إليك لتجعلهما قيد فرسك، لعلَّ الله يرى شعري- قيد فرسك- في سبيله فيغفر لي.
فلما كانت صبيحة القتال فإذا بغلام بين يدَي الصفوف يقاتل، فتقدمت إليه وقلت: يا فتى، إنك غلام غِرّ راجل، ولا آمن أن تجول الخيل فتطأك بأرجلها، فارجع عن موضعك هذا فقال: اتأمرني بالرجوع وقد قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلاَ تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ* وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفًا لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِّنَ اللهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾؟؟ (الأنفال:15، 16).
فحملته على هجين كان معي فقال: يا أبا قدامة، أقرضني ثلاثة أسهم، فقلت: أهذا وقت قرض؟ فما زال يلحُّ عليَّ حتى قلت بشرط: إن منَّ الله عليك بالشهادة أكون في شفاعتك، قال، نعم. فأُعطيته ثلاثة أسهم، فوضع سهمًا في قوسه، وقال السلام عليك ياأبا قدامة، فرمى به فقتل روميًا، ثم رمى بالآخر، وقال السلام عليك يا أبا قدامة فقتل روميًا، ثم رمى بالآخر وقال السلام عليك سلامَ مودع... فجاءه سهم فوقع بين عينيه، فوضع رأسه على قربوس سرجه (الجزء المرتفع من مقدمة السرج)، فتقدَّمت إليه وقلت: لا تنسها، قال: نعم، ولكن لي إليك حاجة... إذا دخلت المدينة فأت والدتي وسلِّم خَرجِي إليها وأخبرها فهي التي أعطتك شعرها لتقيد به فرسك، وسلِّم عليها فإنها في العام الأول أُصيبت بوالدي، وفي هذا العام بي... ثم مات.
فحفرتُ له ودفنتُه، فلما هممنا بالانصراف عن قبره قذفَتْه الأرض فألقته على ظهرها، فقال أصحابي: إنه غلام غِرٌّ، ولعله خرج بغير إذن أمه، فقلت: إن الأرض لتقبل من هو أشرٌّ من هذا... فقمت وصليت ركعتين ودعوت الله عز وجل فسمعت صوتًا يقول: يا أبا قدامة، أنزِل وليَّ الله!! فما برحت حتى نزلت عليه طيور فأكلته، فلما أتيت المدينة ذهبت إلى دار والدته، فلما قرعت الباب خرجت أخته إليَّ فلما رأتني عادت وقالت، يا أماه... هذا "أبو قدامة" ليس معه أخي، فقد أُصبنا في العام الأول بأبي وفي هذا العام بأخي، فخرجت أمه إليَّ، فقالت: أمعزيًا أم مهنئًا؟
فقلت: ما معنى هذا؟
فقالت: إن كان مات فعزني، وإن كان استُشهد فهنئني.
فقلت: لا، بل مات شهيدًا.
فقالت: له علامة فهل رأيتها؟
قلت: نعم. لم تقبله الأرض، ونزلت الطيور فأكلت لحمه وتركت عظامه، فدفنتها.
فقالت: الحمد لله.
فسلَّمت إليها الخَرْج ففتحَته، فأخرجت منه مِسحًا وغَلاًّ من حديد، وقالت إنه كان إذا جنَّهُ الليل لبس هذا المِسح وغَّل نفسه بهذا الغَل وناجى مولاه، وقال في مناجاته "احشرني في حواصل الطيور"، فقد استجاب الله دعاءه.....





المفضلات