الرمية الاولى:

مسجد ضرار
كان النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) على جناح السفر إلى تبوك إذ وفد جماعة من بني غنم ابن عوف وطلبوا منه أن يأتيهم ويصلّي في مسجدهم الذي بنوه في حيّهم وقالوا إنّا بنينا مسجداً لذي العلّة والحاجة والليلة المطيرة والليلة الشاتية وانّا نحب أن تأتينا فتصلّي فيه لنا وتدعوا بالبركة ، فقال لهم : إنّي على جناح سفر ولوقدمنا أتيناكم إن شاءالله.
فلمّا انصرف رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) من تبوك وأراد الصلاة فيه نزلت عليه آية في شأن المسجد وهي :
( وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِرَاراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ المُؤْمِنِينَ وَاِرْصَاداً لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ اِنْ اَرَدْنَا اِلاَّ الحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ اِنَّهُم لَكَاذِبُونَ * لاَ تُقِمْ فِيهِ اَبَداً لَمَسْجِدٌ اُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ اَوَّلِ يَوْم اَحَقُّ أن تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ اَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ المُطَّهِّرِينَ * اَفَمَنْ اَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَان خَيْرٌ اَمْ مَنْ اَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُف هَارِ فَانْهَارَ بِهِ فِى نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِى القَوْمَ
(467)
الظَّالِمِينَ * لاَ يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِى بَنَوْا رِيْبَةً فِى قُلُوبِهِمْ اِلاَّ اَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ) ( التوبة/107 ـ 109 ).
وفي حقيقة الأمر كان إنشاء هذا البناء لأجل غاية خبيثة وأهداف مستبطنة منها بثّ الفرقة والشقاق بين صفوف المسلمين ، ومنها جعل هذا المكان ملجأً لأبي عامر الراهب وهو من أشد محاربي اللّه ورسوله وكان من قصّته أنّه قد ترهّب في الجاهلية ولبس المسوح ، فلمّا قدم النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) المدينة حسده وحزّب عليه الأحزاب ثم هرب بعد فتح مكّة إلى الطائف فلمّا أسلم أهل الطائف لحق بالشام وخرج إلى الروم وتنصّر وهو أبوحنظلة غسيل الملائكة الذي قتل مع النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) في واقعة اُحد وكان جنباً فغسّلته الملائكة.
وسمّى رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أبا عامر : « الفاسق » ، وقد كان أرسل إلى المنافقين أن استعدّوا و ابنوا مسجداً فإنّي أذهب إلى قيصر وآتي من عنده بجنود واخرج محمداً ( صلى الله عليه وآله وسلم ) من المدينة ، فكان المنافقون يتوقّعون أن يجيئهم أبو عامر ، فبنوا هذا المسجد لتلك الغاية.
فلمّا نزلت الآية أمر رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) عاصم بن عوف العجلاني ومالك بن الأخشم بهدم المسجد وتحريقه ، وروي أنّه بعث عمّار بن ياسر ووحشي أن يحرقاه وأمر بأن يتّخذ كناسة يلقى فيها الجيف.
وهذه المؤامرة لم تكن الاُولى في تاريخ النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) فإنّ القوى الكافرة ما برحت تبذل جهودها في البلاد الإسلامية من خلال إنشاء المشاريع الخيرية كالكنائس والمستشفيات وملاجىء الأيتام ومعاهد التربية والتعليم لتأصيل بذور عوامل الإختلاف بين المسلمين ، وتضعيف عقائدهم وافسادهم إلى حد تبلغ بهم فيه إلى مسخ شخصيتهم الإسلامية.