الرمية الأولى :
فالدعاء من أقوى الأسباب فإذا قدر وقوع المدعو به بالدعاء لم يصح أن يقال لا فائدة في الدعاء كما لا يقال لا فائدة في الأكل والشرب وجميع الحركات والأعمال وليس شيء من الأسباب أنفع من الدعاء ولا أبلغ في حصول المطلوب ولما كان الصحابة رضي الله عنهم أعلم الأمة بالله ورسوله وأفقههم في دينه كانوا أقوم بهذا السبب وشروطه وآدابه من غيرهم وكان عمر رضي الله عنه يستنصر به على عدوه وكان أعظم جنده وكان يقول للصحابة لستم تنصرون بكثرة وإنما تنصرون من السماء وكان يقول إني لا أحمل هم الإجابة ولكن هم الدعاء فإذا ألهمت الدعاء فإن الإجابة معه ] الجواب الكافي ص 8-9 . وقال أبو حامد الغزالي :[ فإن قلت فما فائدة الدعاء والقضاء لا مرد له فاعلم أن من القضاء رد البلاء بالدعاء فالدعاء سبب لرد البلاء واستجلاب الرحمة كما أن الترس سبب لرد السهم والماء سبب لخروج النبات من الأرض فكما أن الترس يدفع السهم فيتدافعان فكذلك الدعاء والبلاء يتعالجان وليس من شرط الاعتراف بقضاء الله تعالى أن لا يحمل السلاح وقد قال تعالى - خذوا حذركم - وأن لا يسقي الارض بعد بث البذر فيقال إن سبق القضاء بالنبات نبت البذر وإن لم يسبق لم ينبت بل ربط الأسباب بالمسببات هو القضاء الأول الذي هو كملح البصر أو هو أقرب وترتيب تفصيل المسببات على تفاصيل الأسباب على التدريج والتقدير هو القدر والذي قدر الخير قدره بسبب والذي قدر الشر قدر لدفعه سبباً فلا تناقص بين هذه الأمور عند من انفتحت بصيرته ثم في الدعاء من الفائدة ما ذكرناه في الذكر فإنه يستدعي حضور القلب مع الله وهو منتهى العبادات ولذلك قال :( الدعاء مخ العبادة ) والغالب على الخلق أنه لا تنصرف قلوبهم إلى ذكر الله عز وجل إلا عند إلمام حاجة وإرهاق ملمة فإن الإنسان إذا مسه الشر فذو دعاء عريض فالحاجة تحوج إلى الدعاء والدعاء يرد القلب إلى الله عز وجل بالتضرع والاستكانة فيحصل به الذكر الذي هو أشرف العبادات ولذلك صار البلاء موكلاً بالأنبياء عليهم السلام ثم الأولياء ثم الأمثل فالأمثل لأنه يرد القلب بالإفتقار والتضرع إلى الله عز وجل ويمنع من نسيانه وأما الغنى فسبب للبطر في غالب الأمور فإن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى ]
ثوبان عن النبي صلى الله عليه وسلم لا يرد القدر إلا الدعاء ولا يزيد في العمر إلا البر وإن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه ) ]
((وما نرسل بالآيات إلا تخويفًا»،
وما نرسل بالآيات إلا تخويفًا»،
قدر الله نوعان: قدر محسوم وهذا من المحال أن يرد بحال من الأحوال، وآخر معلق بالأسباب وهذا يزول بزوال سببه، ومن الأقدار المحسومة موت الإنسان وطلوع الشمس فمثل هذه الأمور لا يردها الدعاء، والقدر المعلق بالأسباب كانتشار الذنوب فهنا تزول نقمة الله على عباده بالدعاء ويزول بزوال أسبابه كما جاء عن ثوبان رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «لا يرد القدر إلا بالدعاء ولا يزيد في العمر إلا البر وإن الرجل ليحرم الرزق بذنب يصيبه». ومن ذلك الزلازل والبراكين وأنواع البلاء، فمنها ما هو مقرر ومحتوم لا يزول، ومنها ما هو مناط بأسبابه الشرعية، فإذا دعا المؤمنون ربهم وتضرعوا له وتابوا عن ذنوبهم فإن الله سيرفعه عنهم، ولهذا شرعت صلاة الكسوف والدعاء.
ومضى الشبل قائلاً: الزلازل والبراكين والبلايا السماوية والأرضية منها ما هي أقدار محتومة ومنها ما هو ابتلاء من الله وعقوبة، فهي ليست خاصة بأهلها بل لجميع من يسمع بها ولهذا الزلازل والبراكين والأعاصير والفيضانات كنا نسمع بها في الأماكن والدول البعيدة، لكنها بدأت تقترب منا شيئًا فشيئًا، فالمؤمن يجب أن يكون معتبرًا لأن ما أصاب غيره هو إنذار له بأنه إذا كان مسرفًا على نفسه فعليه أن يتوب، وإذا كان مقصرًا فعليه أن يؤدي الواجب وأن يرجع إلى ربه عز وجل، فإذا أصابه البلاء بعد توبته ورجوعه إلى الله كان هذا البلاء من الأقدار التي يكفر الله بها ذنوب عباده وسيئاتهم، وينظر هل يصبر العبد عليها وهل يتخذ الأسباب الشرعية، وهل يرضى ويسلم بقضاء الله كما نقول في الأمراض والأوجاع وفي الفقر وغيره من أنواع البلاء.
ولنبلونكم بشيءٍ من الخوف والجوع ونقصٍ من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون».