[dci]
[align=right]إخواني الكرام
ينبع / شكرا لك حسن ظنك بأخيك وهذا ما عهدته فيك
مهندس شكري حجازي / أشكر لك هذا التفاعل المتواصل
بروفيشنال / أشكرك على هذا الإطراء وما توفيقي إلا بالله
مشعل الشريف / طلتك تسعدني جدا وأنا بانتظار عودتك [/align]

الحلقة السادسة

[align=justify]قلت أنني أرجح أن القفطي خرج من ينبع مطرودا وليس عندي ما يؤيد قولي إلا ما ذكره الشاعر نفسه ولكن مثار التساؤل هنا :

ما الأسباب التي كانت وراء إبعاد الشاعر عن ينبع ؟

بعد التنقيب في قصائد الشاعر التي وصلت إلينا أستطيع أن أضع عدة احتمالات وقد يكون أحدها أو كلها هي السبب

الاحتمال الأول / ضلوع أمير ينبع في مؤامرة على أمير مكة

قلنا في الحلقة السابقة أن الشاعر القفطي غادر ينبع في عام 1288هـ على أمل أن يعود سريعا لأنه أبقى في ينبع ابنتيه خديجة وربيعة ولكنه لم يعد ,,
وفي عام 1297هـ ألقي القبض على بعض أعيان الحجاز ومنهم إبراهيم آل عواد حاكم ينبع وأرسلوا مقيدين إلى الاستانة بدعوى أنهم ضالعون في مؤامرة ضد الشريف عبد الله بن عبد المطلب أمير مكة وحكم عليهم بالقتل ثم عفي عنهم
ولقد وجدت خلال بحثي عن هذه الحادثة وثيقة عثمانية تنص على ما يلي :

بناء على ما أبداه دولة سيادة أمير مكة المكرمة جناب عبدالمطلب أفندي من حاجة سياسية، فإن الأشخاص الذين أرسلهم إلى إستانبول، ووضعوا في السجن العام بصفة مؤقتة، ونظرًا للاستدعاء المشفوع بالواسطة المقدمة منهم، فقد أخليت سبيلهم، وهم: قائمقام ينبع الأسبق أمير الأمراء إبراهيم عواد باشا، والشيخ ضيف الله والشيخ جابر، وشيوخ عربان البدو القاطنين في منطقة الطائف. وبناء على أن إعادتهم في الوقت الراهن إلى مكة المكرمة لا يوافق المصلحة العامة، كما أن وقايتهم من الوقوع في ضنك من العيش لا يلائم شأن جناب السلطان؛ ولذلك فقد تقرر منح إبراهيم عواد باشا مبلغ ألف وخمسمئة قروش، والشيخ ضيف الله والشيخ جابر مبلغ خمسمئة قروش لكل واحد منهما، على أن يستوفي ذلك من الخزينة الجليلة شهرًا بشهر، بعدهم ضيوفًا، ويصرف لهم المبلغ المذكور راتبًا مؤقتًا طيلة بقائهم في إستانبول، ويسلم لهم شخصيًا من خلال إدارة المراسم السلطانية بالديوان الهمايوني، حيث صدر بذلك المرسوم السلطاني. والأمر والفرمان لحضرة من له اللطف والإحسان.

[align=left]على رضا 5 ذو القعدة 1299هـ[/align]


والملاحظ في هذه الوثيقة أن المذكورين قد أودعوا في السجن بإستانبول مدة من الزمن بشكل مؤقت، ثم أخلى سبيلهم، على أن يعودوا إلى موطنهم الحجاز؛ غير أن الباب العالي وقبل أن يسمح لهم بالعودة قام بإبداء رأي أمير مكة المكرمة في الموضوع، فأظهر اعتراضه على عودتهم بحجة عدم مواءمة ذلك للمصلحة العامة. فبقي المذكورون في إستانبول بعد ذلك منفيين لمدة سنتين ، دون المكوث في السجن. فقيض لهم الباب العالي راتبًا شهريًا لكل واحد منهم. ثم عادو بعد ذلك

نعود إلى قصة شاعرنا حسن عبد الرحيم الذي غادر ينبع عام 1288هـ أي قبل إلقاء القبض على إبراهيم عواد باشا بتسع سنين ! ولم يتصل أو يسأل عن الأمير أو عن ابنتيه إلا بعد مرور أحد عشر عاما على خروجه من ينبع أي في عام 1299هـ وهو العام الذي أفرج فيه عن إبراهيم باشا عواد وعاد إلى ينبع

ألا يوحي هذا بأن الشاعر حسن عبد الرحيم كان على علم بهذه المؤامرة (إن لم يكن ضالعا فيها )بحكم عمله أمين سر الأمير إبراهيم عواد وأنه غادر ينبع خشية افتضاح أمره وأيضا فإن تركه لابنتيه يحتمل أمرين إما أنه تركهما ليوحي لأمير ينبع أن عودته ستكون سريعة وأن انتقاله لم يكن نهائيا وإما أن الأمير نفسه هو الذي احتجزهما عنده ليضمن بذلك عودته واحتمال احتجاز الأمير لهما هو الأرجح لأن القفطي لم يتصل بالأمير أو يسأل عن ابنتيه إلا بعد أحد عشر عاما وبعد إن اطمأن إلى نفي إبراهيم عواد ثم عودته مبرأ .. لأنه كان يسأل عنه ويستنشق الأخبار من كل خبير وعارف كما أشار في مقدمة قصيدته " السفينة " وهي أول قصيدة يرسلها إلى والي ينبع بعد هذه الفترة الطويلة
وتاريخ إرسال السفينة والقطيرة والمجاديف غير مدرج ولكنا عرفناه من الأبيات التي يشير فيها الشاعر إلى هذه الحادثة [/align]

[poem=font="Simplified Arabic,5,#000000,bold,normal" bkcolor="" bkimage="" border="none,4,#400000" type=0 line=0 align=center use=ex num="0,#400000"]
ألم تر أن الله ثبت قوله = ونجاه ممن كاد يرميه بالغدر
مضى كهلال الأفق من أرض " ينبع " = وقد جاء من " أم القرى " وهو كالبدر
وما راح إلا كارها شر فتنة = وما عاد إلا بالثناء وبالنصر
ولم يلتفت بالبغض يوما لمبغض = ولم يخف مكرا للمصر على المكر
ولم ينتقم ممن تفوه بالأسى = ولم يدر عمن مات بالغيظ والقهر
على أنه كالطود لم يكترث لما = يراه من الأهوال في مدة العمر[/poem]

[align=justify]ثم توالت بعدها رسائل الاسترحام والاستعطاف التي تصف شدة الشوق إلى ينبع وحسرته على فراقها وليت شعرى ماالذي أخفى هذه المشاعر أحد عشر عاما
من هنا ندرك أن سر تجاهل الأمير لرسائله وعدم الموافقة على رجوعه .إما لأنه أدرك أنه ضالع في الوشاية به أو أنه غاضب عليه لأنه لم يعد سريعا بعد الاطمئنان على أهله كما ادعى أو أنه اكتشف فيه صفة عدم الوفاء لانقطاعه عن التواصل معه طيلة هذه الفترة
بينما عادت علاقة الصداقة بعد هذه الفترة بينه وبين إبن والي ينبع زارع أفندي وكانت بينهما رسائل شعر متبادله ولكنها لم تصل بزارع إلى الجرأة على أن يتوسط له عند والده رغم طلب الشاعر وإلحاحه في ذلك [/align]


[align=right]الاحتمال الثاني / الغزل السافر [/align]

[align=justify]ينبع مدينة صغيرة وأهلها محافظون وقد لا يتقبلون بعض الغزل المباشر الذي كان يبثه الشاعر في قصائده ويتعرض فيه إلى وصف الحسان وشوقه إليهن[/align]

[poem=font="Simplified Arabic,5,#000000,bold,normal" bkcolor="" bkimage="" border="none,4,#400000" type=0 line=0 align=center use=ex num="0,#400000"]
وكم فيه من خود ضياء جبينها = إذا ما بدا بالليل يغني عن البدر
أيا عرب وادي " ينبع البحر " إنني = على عهدكم باق مدى العمر والدهر
ملكتم فؤادي مذ سكنتم ببيته = وأدخلتم وجدي وأخرجتم صبري
نأيتم ولا زلتم مقيمين في الحشا= وبنتم وما بنتم عن البال والفكر
أما وظباء في رياض دياركم = يميسون كالأغصان في الحلل الخضر[/poem]

[align=justify]أو[/align]

[poem=font="Simplified Arabic,5,#000000,bold,normal" bkcolor="" bkimage="" border="none,4,#400000" type=0 line=0 align=center use=ex num="0,#400000"]
شوقي إلى "القاد " في الأحشاء يوقد من = نار اشتياقي إلى " منجارة " العرب
ومهجتي في رصيف " البنط " ما برحت = رهينة لم تحل عنه ولم تغب
وصورة " الصور " في الأحشاء صورها = قلبي و " حلة عبس " غاية الطلب
وفي " الخريق " فؤادي ضاع وآسفي =على الخريق بذاك الحي في لهب[/poem]

[align=justify]أو[/align]

[poem=font="Simplified Arabic,5,#000000,bold,normal" bkcolor="" bkimage="" border="none,4,#400000" type=0 line=0 align=center use=ex num="0,#400000"]
واختر من البلدان فيه" ينبعًا "=فملاعب الغـزلان في واديه
بلد إذا ما رمت وصف ملاحه=حدث بما قد شئت عن أهليه
إذ لو توارت عنه شمس نهاره=أضحـت وجوه مـلاحه تغنيه
كم فيه من ظبي كحيل نافر=أحـوى حوى الدر الثمين بفيه
أو شمس حسن بالهلال تدملجت=وبدت كـبرد في سماء التيه
وغدت تجر ذيول حلة أطلس = حمرا كوجنتها لدى التشبيه
رقت لطافة جسمها حتى ولو = مر النسيم بخدها يدميه
يهوى زيارتها مناما صبها = فيرى عقارب صدغها تؤذيه
ولكم محب فيه أمسى حائرا = لم يلق مأوى في الحمى يأويه
إن لم يصب فيه بطعنة فارس = فلرب طعنة مقلة ترميه
أمسى بها طورا هناك تميته = نار الغرام وتارة تحييه
حتى إذا لم يسقه ماء الحيا = فدموع أرباب الهوى تسقيه
يهوى المحب بأن يباع لأهله = بالبخس لكن أين من يشريه
حرم به حجت قلوب ذوي الهوى = ولديه أحرم كل من يأتيه
ما حل فيه محرم بصبابة = إلا وطاف بكل بيت فيه [/poem]

[align=justify]هذا الغزل المباشر في الأنثى لم يتعود عليه سكان ينبع بل أنه يعتبر أمرا معيبا في حق من يقوله أو حق من يقال فيه وكان التعبير عن الجمال والحب موجها للقيمة الجمالية المطلقة منفصلة عن الحالة أما الأنثى فإنه لا يمكن الإشارة إليها لا تصريحا ولا تلميحا .
ومما يزيد الطين بلة أن يذكر الشاعر اسم الحارة التي فيها من يحبه في بلد ما زال يضع للحارة قيمة اعتبارية ويغار عليها رجالها غيرة شديدة [/align]

[poem=font="Simplified Arabic,5,#000000,bold,normal" bkcolor="" bkimage="" border="none,4,#400000" type=0 line=0 align=center use=ex num="0,#400000"]
لي فؤاد فيه قد غادرته = ضاع مني بين أيدي الظبيات
يا أهيل " الصور " و" القاد " ويا = عرب وادي " ينبع " وادي المهاة
من لقلب ضاع في ينبعكم = منبع الحسن ودار الحسنات
قد أخذتم نحوكم قلبي فما = ضر لو ألحقتموه الكليات
ويح قلبي هل له في حيكم = ملجأ يرجو به ماء الحياة
حل في " حلة عبس " أم غدا = في بيوت " الصور " مأسور البنات
أو لنحو " القاد " من جور الظبا = راح منقادا لأسباب الوفاة[/poem]

[align=justify]وقد يقول قائل أن هذه الغزل المباشر لم يقله الشاعر إلا بعد أن غادر ينبع .. ربما ولكن ربما أيضا أن هناك شعرا غيره قيل ولكنه لم يبلغنا .. وقد يكون أسوأ .. فنحن لم يصلنا شئ من شعره في الفترة التي كان فيها في ينبع إلا أربع قصائد لا تتجاوز كل منهما ستة أبيات واحدة يهنئ فيها إبراهيم باشا عواد على الانتقال إلى داره الجديدة والثلاث الأخريات تهان بمناسبات الأعياد [/align]


[align=right]الاحتمال الثالث / التعريض ببعض الشخصيات [/align]

[align=justify]وهذا التعريض يأتي غالبا من باب المزاح والمداعبة ولكن المزاح مع علية القوم لا ينبغي أن يصل إلى درجة رفع الكلفة معهم والتعدي عليهم ببعض الألفاظ ولا بد لمن يغشى مجالس مثل هؤلاء القوم أن يعرف حدوده وأن يضع له حدا فاصلا لا يتجاوزه
ويبدو أن شاعرنا غفر الله له يخرج عن هذا الخط أحيانا فمن قصيدة بعثها إلى العالم الأديب محمود لافي يقول فيها [/align]

[poem=font="Simplified Arabic,5,#000000,bold,normal" bkcolor="" bkimage="" border="none,4,#400000" type=0 line=0 align=center use=ex num="0,#400000"]
عهدتـك حافظـا ودي ولـكـن=أراك أخذت عنـي فـي انحـراف
لقد أنسـاك أكـل الحـوت ودي=وأكـل التمـر علمـك التجافـي [/poem]

[align=justify]وهو كلام لا يليق بحق عالم وأديب كابن لافي أو القصيدة التي يقول فيها [/align]

[poem=font="Simplified Arabic,5,#000000,bold,normal" bkcolor="" bkimage="" border="none,4,#400000" type=0 line=0 align=center use=ex num="0,#400000"]
وقد قيل هـلا اكتفيتـم بمـا=رزقتم فقالوا وهل من مزيـد
فلا غـرو أن أكلـوا نخلـة=ومالوا لأكل النوى والجريـد
أؤلئـك قـوم إذا أبـصـروا=صحافا من الرز أومن ثريـد
ترى كلبهم عندهـا باسطـا=ذراعيه حرصا بباب الوصيد [/poem]

[align=justify]أو ثالثة الأثافي القصيدة التي يعرض بها بالأستاذ محمد مصطفى الخطيب وهو من الأعلام والشخصيات الاعتبارية في ينبع والتعريض به ولو على سبيل المزاح لا ينبغي بأي حال من الأحوال [/align]

[poem=font="Simplified Arabic,5,#000000,bold,normal" bkcolor="" bkimage="" border="none,4,#400000" type=0 line=0 align=center use=ex num="0,#400000"]
رجل فقيه فاضل = فطن ومفضال أديب
ما إن ترى لصديقه = في الأكل عنده من نصيب
قل ما تشا فيه إذا = طلب العشا قبل المغيب
فهناك عقل خطيبكم = عن كل دائرة يغيب
ومن العجائب أنه يصبو إلى القد الرطيب
أكرم به إذ أنه = أهدى لنا شايا غريب
ما قر في جوف امرئ= إلا وعالجه الطبيب
قولوا له إن رمت أن = تحظى بعيش يستطيب
فاجعل شرابك حامضا = أولى من اللبن الحليب
أو قهوة البن التي = في الدمس طال بها اللهيب [/poem]

[align=justify]مزاح سخيف مع رجل مفضال وأمثلة أخرى مع أناس آخرين يبدو أنه استمرأ معهم هذا اللون من الدعابه دون أن يفطن إلى أن مثل هؤلاء القوم لا يستسيغونها

هذه الاحتمالات الثلاثة استنبطتها من بين ثنايا قصائده قد يكون أحدها أو كلها سببا في إبعاد الشاعر عن ينبع ومنعه من العودة إليها .. إذ أنه لا يتصور المرء الذي يقرأ هذه الأشعار السلسة الممتلئة بالعواطف الجياشة والمشاعر الصادقة والاستعطاف والاسترحام والوساطات المتكررة ثم لا يستجيب لرغبة الشاعر إلا رجل عرف عن الشاعر أمورا تخفى علينا [/align]





في الحلقة القادمة إن شاء الله آخر الانطباعات

[/dci]