[align=justify]بادي ذي بدء يسعدني أيها الإخوة الأفاضل مشاركتكم هذا الموضوع الحيوي والحساس ، واسمحوا لي بأن أجدد إعجابي الشديد بالطريقة التي يكتب ويرد بها أبو رامي فهي حقيقة مثال يحتذى به في أدب الحوار وحسن الإقناع إضافة إلى البلاغة في الأسلوب وقوة اللغة وحسن انتقاء الكلمات والمصطلحات وسهولة الطرح ، كما تسعدني الغيرة الشديدة على أعراض وبنات المسلمين التي أبداها جميع المشاركين في هذا الموضوع وأبو رامي من ضمنهم بدون أدنى شك وهذا الديدن الغالب على جميع المسلمين المتمسكين بدينهم .
وأما موضوعنا هذا فأرى أن النقاش فيه قد انحصر في ثلاث جوانب هي :
الجانب الأول : شِعر المرأة أو إلقاءها للشعر أمام الرجال:
وقد أعطاه أبو رامي حقه من البحث والتقصي وبالحجج المقنعة وبما رواه من أمثلة حدثت في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم .
الجانب الثاني : مثالية المجتمع في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم :وقد تطرق له أبو رامي بشكل واضح وبحجج مقنعة إلا أنني اختلف معه في مفهوم المثالية فيبدو مما ذهب إليه في كلامه أنه يرى أن المجتمع المثالي هو المجتمع الخالي من الأخطاء وأنا أرى بأن المجتمع المثالي هو المجتمع الأقل أخطاءً من غيره من المجتمعات فنحن عندما نكرم المعلم أو الموظف المثالي نكرمه ليس لأنه لا يوجد عنده أخطاء في مجاله الذي كُرم فيه ولكن لأنه الأقرب للكمال ممن اُختير للتكريم من بينهم ونفس الكلام ينطبق على المؤسسات والهيئات والشركات وغيرها من المنظومات الاجتماعية ، وعلى هذا الأساس فالمجتمع الإسلامي بمجمله في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم مجتمع مثالي كون أخطاؤه هي الأقل ولكنه لا يصل إلى درجة الكمال ، فقد طًبقت الحدود الشرعية فيه حتى على بعض الصحابة .
الجانب الثالث : مفهوم اختلاط النساء بالرجال :
من يبحث في التاريخ الإسلامي يدرك بأن اختلاط النساء بالرجال ليس محرما على الإطلاق(إي تحريم مطلق ) وأنه حدث في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وفي عهد الخلفاء الراشدين ومن الأمثلة على ذلك ما ذكره الإمام ابن حزم أن عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ ولى الشفاء بنت عبدالله وهي امرأة من قومه السوق. أي: ولاها الحسبة في السوق، لتأمر بالمعروف من أعمال السوق وتنهي عن منكرات السوق، هذا يستلزم مخالطتها لأهل السوق من الرجال الأجانب حتى تقوم بالاحتساب عليهم ، بالرغم من وجود رجال يمكن أن يقوموا بهذه المهمة ،وغيرها الكثير من الأمثلة .،وفي المقابل فإن من يتمعن في الأحاديث النبوية الشريفة الواردة في هذا الأمر يدرك بأن الإسلام يحبذ عدم الاختلاط بين الرجال والنساء ويقننه بشروط وضوابط معينة .
والإشكالية التي نعانيها في هذا الجانب من وجهة نظري هي أننا نتعامل مع هذا الموضوع بحساسية مفرطة وسبب هذه الحساسية هو أننا نتلقى العلم الشرعي في هذا الجانب بأسلوب التلقين فقط وذلك في المدارس وفي المساجد والمتعارف عليه عندنا أن أي درس شرعي لا يعطى إلا بطريقة المحاضرة وقُتلت لدينا روح الاستنتاج والاستنباط وربط الأحداث وبالتالي افتقدنا التقدير المنطقي للأمور والأحداث التي ندرسها كما أننا لم ندرس ثقافة الحوار وتقبل الرأي الآخر وبالتالي أصبحنا نصادر الآراء التي لا تتوافق مع وجهة نظرنا ، وزاد الطين بلة التطور التقني في جانب الاتصالات في عصرنا الحاضر الذي سهل لنا معرفة المشاكل التي تقع نتيجة الاختلاط في أي مكان في العالم وفور حدوثها إضافة إلى ما يصاحبها من إثارة صحفية يغلب عليها طابع المبالغة فسرنا نرى الأحداث كبيرة وكثيرة في هذا الجانب وفضلنا سياسة البتر ( أي العزل التام ) على سياسة الإصلاح وهو حل سهل وأكثر فاعلية ، ولكن آثاره السلبية كبيرة إذا اعتمدنا عليه وحده فقط فنحن لا نعزل نساءنا في صحاري واسعة أو واحات أو مزارع كما كان السلف الصالح يفعلون بل نعزلهم في الغالب في شقق صغيرة لا تدخلها الشمس ، وأصبحنا مؤخرا نتحاشى ذكر أسماؤهن في أي مكان أو مناسبة حتى في منتدانا هذا وغيره من المنتديات وإن توفيت إحداهن نقول توفيت أم فلان أو أخت فلان أو بنت فلان دون ذكر اسمها ، كما أن أبنائنا الصغار يتحاشون ذكر أسماء أمهاتهم وأخواتهم ويحدث بينهم شجار لهذا السبب ، بينما أبائنا وأجدادنا ينتخون بأسماء أخواتهم وبناتهم فتجدهم يقولون عندما يفتخرون بأنفسهم : ( أنا أخو فلانة أو أنا أبو فلانة ) ، وإضافة إلى هذا كله أصبح أغلبنا يمنع بناته من تعلم الطب خوفا من الاختلاط ويمنعها من أن تتعلم الشِعر أو أن يسمع أحد بأنها شاعرة ولا يمنعها بأن تسمع الغناء أو أن تتفرج على القنوات الماجنة لأن هذا الأمر يحدث في المنزل و لا يسمع به أحد .
والشٍعر ديوان العرب وموهبة حسنة تنمي الإبداع وهو رمز للعروبة منذ القدم وعندما جاء الإسلام حثّ عليه وأيّد منه ما كان محمودا وأنكر منه ما كان مذموما كالهجاء والغزل الفاحش وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يستشهد بأبيات الشعر لما كان فيها من الحكمة ومكارم الأخلاق ، والغزل الفاحش منبوذ سواء في عصرنا الحاضر أو الماضي أما الغزل العفيف كوصف المشاعر فأعتقد بأنه لا ضير فيه فكعب بن زهير ألقى أمام الرسول صلى الله عليه وسلم قصيدته المشهورة التي مطلعها (بانت سعاد فقلبي اليوم متبول). . . إلى آخر القصيدة ..ولم يُنكر عليه ذلك كما لم ينكر على الخنساء إلقاء الشعر أمامه ، ولم يطلب منها أن لا تقول الشٍعر إلا أمامه ، وانظر إلى لاميّة العرب للشنفري الأزدي التي حثّ فيها على مكارم الأخلاق والتي تُرجمت بعد ذلك للإنجليزية والفرنسية لما فيها من حكمة ، و ما ينطبق على الشعر الفصيح ينطبق على الشعر النبطي وفي عصرنا هذا أصبح مظهراً بارزا في المجتمع العربي عامة وفي جزيرة العرب خاصة في كونه وسيلة من وسائل الدعاية للمجتمعات والتعرف بها .، حيث يقول الأديب السعودي عبد الله بن محمد بن خميس : (الشعر الشعبي في قلب جزيرة العرب هو صنو الفصيح فكرة وغرضاً وصورة وبناء بل ولغة لولا تسهيل في الهمز وتسامح في النطق وتجانف عن الإعراب.. بل أكاد أجزم أنه هو المثل المتبقي من سليقة العربي وأصالة بيانه فهو يصدر منه عن فطرة ويؤاتيه عن طبع ويستجيب له عن أصالة سواء كان متعلماً أو أمياً، فإذا أرجعته إلى أصله الفصيح وجدت ذلك الشعر السليقي ) و شعر اليوم ليس كله مذموم بل بالعكس مع انتشاره وكثرة وسائل الإعلام أصبح أغلب الشعراء لديهم خطوط حمراء لا يتعدونها خوفا من ردة فعل الجمهور فالشهرة أحيانا تقف حاجزا جميلا في وجه كل مشهور لكي لا يُنتقد أو يفقد احترامه ، والعالم اليوم أصبح قرية صغيرة يتأثر سكانه بعضهم ببعض و يصعب علينا أن نعيش فيها معزولين أو أن نوجد لنا نظام خاص بنا والأمر يزداد تعقيدا فبناتنا أصبحن يدرسن في الخارج وتتأثر من لم تدرس منهن بمن درست هناك ، فبتالي لن تجدي سياسة البتر لوحدها ما لم تكن مقرونة بالإصلاح فالكبت يولد الانفجار ، فمن واجبنا أن نعود بناتنا على عدم الاختلاط بالرجال قدر المستطاع ،ولكن من واجبنا أيضا أن نعلمهن كيف يتعاملن بثقة وثبات عند حاجتهن للاختلاط بالرجال وننمي لديهن مبدأ الاعتزاز بالدين والشرف وغيرها من عادات الإسلام الحميمة ونفخر بهن وبمنجزاتهن كما نفخر بأبنائنا ، أو نصبح مجتمعا متناقضا كما يصفنا البعض نقول أشياء ونفعل أشياء فأكثر المتصلين على القنوات الفضائية الماجنة هم بناتنا وبأسماء مستعارة ، كما أننا نحن المتصدرين في تكاليف الزواج بين البلدان الإسلامية بينما نحن أكثر من يتحدث عن ضرورة عدم الإسراف وضرورة تيسير أمور الزواج ،والأخت عيدة ( وحيدة السعودية ) لم يظهر منها ما يوجب مهاجمتها فهي تستحق منا التأييد والتقدير ما دامت على النهج الذي شاهدناها به ، هذا والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل .[/align]



رد مع اقتباس

المفضلات