شعرية المكان والزمان قراءة في ديوان – المدينة - لمحمد الصفراني
حافظ محمد جمال الدين المغربي
مدخل نظري
كثرت في الآونة الأخيرة تلك الدراسات الأدبية والنقدية التي تستقرىء بالمكان أو الزمان أو بكليهما معا ً؛ النصَّ الأدبيَّ ، واستجلاء مرامي أدبيته . والحق أن هذه الدراسات - مع كثرتها- مازال بعضها يستكشف في النص ما يضاف إلى أبعاده الجمالية والحضارية والثقافية جميعها؛ من حيث بكارة الرؤى.
وقد شغلت الحقيقة المكانية والزمانية فكر الفلاسفة قبل أن تشغل الدرس الأدبي ، ومن الفلسفة - في تراسل بين العلوم- انتقلت إلى الفكرالأدبي. فصمويل ألكسندر (1895-1938) الملقب بفيلسوف المكان والزمان والألوهية يقيم مذهبه في الفلسفة الواقعية المحدثة على هذه الحقيقة فالحقيقة القصوى التي تتولد عنها سائر الأشياء هي الحقيقة الزمانية المكانية space-time ، والحق أنه إذا كان في الإمكان التفرقة بين المكان والزمان فما ذلك إلا بطريقة أولية قبلية سابقة على التجربة ، وأما الواقع العيني نفسه فإنه يشهد بأنه لا انفصال للمكان عن الزمان أو للمكان عن الزمان.(1)
ويشير د.زكريا إبراهيم إلى أن هذه الفكرة أوحى بها إلى ألكسندر تطور الفيزياء الرياضية ، ولكنه لم يرد للفلسفة أن تتورط في بعض التركيبات الهندسية وأراد لها أن تقتصر على عالم الخبرة.(2)
والدليل على ما أشرنا إليه من تراسل العلوم بين علمين كالفلسفة والأدب ؛ أن باختين مؤصل مصطلح الحوارية الذي كان نواة لمصطلح التناص قد ربط ربطاً وثيقاً بين الزمان والمكان وهو ما أُطلِق عليه مصطلح الزماكانية chronotope إنه أحد أهم مفاهيم ميخائيل باختين المعقدة ؛ وتعني حرفياً الزمان المكان لأنها مركبة على التوالي من المفردتين معاً، وهو مصطلح مقتبس من علم الأحياء الرياضي، حيث يصف الشكل الذي يجمع معاً الزمان والمكان.والمعروف أن إشكالية الزمان وعلاقتها بالمكان إشكالية ليست بالجديدة بل قاربها كانط وأتباعه كما قاربها غيرهم. (3)
فإذا كان ألكسندر قد أرجع فكرة ربط المكان بالزمان إلى تطور الفيزياء الرياضية ؛ فإن باختين (ت 1928) والمعاصر له قد اقتبس الفكرة من علم الأحياء الرياضي كما يخبرنا د.الرويلي ود.البازعي.ومما يؤكد تقارب الرؤى بين الفلسفة ( ألكسندر ) والأدب ( باختين ) أن كليهما ينطلق من فكر ترابطي وثيق بين الزمان والمكان بلا فصل تعسفيّ ؛ مجاله الخبرة عند ألكسندر والتطبيق على الرواية عند باختين.
إن ألكسندر يرى بالتجربة التي يصدقها واقع طبيعة العالم المُدرَك أنها تربط بين الزمان بوصفه أحداثاً وبين المكان الذي يستوعب هذه الأحداث بوصفه يتكون من حركات ؛ ويجعل ذلك صميم الواقع.فهو يرى أن الواقع الذي ندركه عن طريق التجربة ؛ يظهرنا دائماً على أن ما يكون في النهاية صميم الواقع ، إنما هو تلك الأحداث التي تشغل من جهة حيزاً في المكان، وتنطوي من جهة أخرى على ماضٍ ومستقبل ، وما نسميه باسم المادة – فيما يقول ألكسندر- إنما يتركب من حركات عديدة ، كما أن الحركات بدورها تتكون من أحداث أو نقاط آنية.(4)
والزماكانية أو تلك المفردة المركبة نفسها تؤكد هذا الوصل الذي يحاول باختين تأكيد أهميته في الرواية ، حيث يرى أن أشكال الزماكانية في صورها المختلفة تجسد الزمن في المكان وتجسد المكان في الزمن دون محاولة تفضيل أيهما على الآخر، وقد عالج باختين هذا المفهوم ...فالزمن كما هي الحال يتكثف شاخصا ً، يكتسي لحما ً، ويصبح من الناحية الفنية مرئياً ؛ وبالمثل فإن المكان يصبح مشحوناً ومستجيباً لحركات الزمن والحبكة والتاريخ.(5)
والحق أن رؤية باختين الزماكانية لا تنسحب فقط على الرواية بوصفها جنساً أدبياً خاصاً ؛ وإنما يمكن أن تنطبق رؤاه على كل الأجناس الأدبية وغيرها ، وسوف نحاول أن نسترشد بهذه الرؤى في تحليلنا لقصائد من ديوان الصفراني.
وقد استدرك كل من د. الرويلي و د. البازعي على هذه الرؤية الباختينية فيما يتجاوز الرواية إلى أي جنس ؛ متخذاً من اللغة مرتكزاً ؛ وعن هذا يقولان: وعلى الرغم من أن باختين حاول تحديد أشكال الزماكانية ؛ فإنه أبقاها عائمة سائلة ، حتى تكاد تغطي كل شيء . فهو يذكر ظواهر تاريخية ليست مرتبطة بالبنى الإجناسية ، ومع ذلك يطلق عليها مسمى الزماكانية ، وكذلك يطلق المسمى على الخيوط الناظمة ، بل إنه يسحب المسمى إلى أي وكل صورةأدبية لأن اللغة في أساسها كنز من الصور الزماكانية.(6)
وتكاد كل الدراسات الأدبية والنقدية في تحليلها للنصوص تجمع أن ليس ثمة فصل بين الزمان والمكان ؛ في سعيها إلى استكناه أدبية النصوص .ذلك أن طبيعة النص الأدبي مهما اختلف جنسه إنما يدور في إطار أفعال تتم من خلال أحداث وأزمنة يستوعبها حيز مكاني. فالزمان يكسب المكان هويته ومكانيته إن صح هذا التعبير.
إن المكان كما يرى برجسون متجانس ، والأشياء القائمة في المكان تكوِّن كثرة متميزة. والمكان وسط متجانس مشابه لنفسه باستمرار في كل مكان ، وهو حقيقة بدون كيفية.(7) ، وما يمنح المكان – فيما أزعم – هذه الكيفية هو الزمان ؛ تفعيلاً لإكساب المكان ما يمكن أن نسميه بعبقرية أو جماليات أو تجليات المكان.وفي المقابل لا قيمة للزمن الذي يظل مفرغاً من زمنيته أحداثاً وساعاتٍ وعدَّاً ؛ بلا مكان تجري فيه هذه الأحداث ؛ بما يشعرنا بقيمة الزمن في تشكيل خارطة حياتنا مادامت دقات قلب المرء قائلة له : إن الحياة دقائق وثواني.
وفعل الزمن داخل المكان الذي يعيش فيه الإنسان بروحه وجسده قاهر وغالب على تفكيره بين ماضٍ غابر بحلوه ومره ، وحاضر يعايشه بالكيفية نفسها ، ومستقبل غائم قادم لا يدري ما الله فاعل به فيه .إن د.بدوي يرى أن السؤال عن حقيقة الزمن قديم قدم التفلسف ، بل قدم الإنسان الواعي نفسه ، لشعور الإنسان بتأثير الزمان عليه تأثيراً هائلاً ، وصعوبة فهم حقيقته إلى أقصى درجة ، ذلك أن إشكال الزمان قائم في طبيعة الزمان نفسه من حيث إنه دائم السيلان. وكما لاحظ أرسطو...أن الأجزاء التي يتألف منها الزمان : أحدها كان ولم يعد موجوداً ، والثاني لم يأتِ بعد ، والثالث لا يمكن الإمساك به ، فأجزاؤه أعدام ثلاثة ، وما يتألف من أعدام يبدو من المستحيل أن يشارك في الوجود.(8)
ولكننا يمكن أن نحترز على رؤية د.بدوي في مفهومه للزمن بأبعاده أو بأعدامه الثلاثة.فنقول: إن الزمان يستطيع أن يشارك في استكناه الوجود من خلال اختلاطه بالمكان الذي تجري فيه أحداث زمنيته ، والنصوص في رؤى المبدعين والنقاد تمنحه هذا الوجود.
وإذا كان هناك ما يشبه إجماعاً بين المفكرين والنقاد على ذلك الارتباط المكاني الزماني فإن بينهم رؤىً تتقارب حيناً وتتباعد حيناً في تمثلهم للزمان في المكان والمكان في الزمان.فالفيلسوف برجسون يميز تمييزاً حاداً بين الزمان والمكان ؛ فالزمان في رؤاه لا متجانس يمثل الكيف والشعور وعالم الروح ، في مقابل أن المكان متجانس يمثل الكم والآلية وعالم المادة .(9)
ولكن برجسون يعود فيفرق بين زمنين : الزمان الحيوي ويسميه المدة..والزمان الفيزيائي؛ زمن الساعات ، فالأول كيفي لا متجانس ينفذ بعضه في بعض ، أما الثاني فيتسم بالكم والتجانس وعدم النفوذ.(1.) ، وبذلك يتساوى الزمن الفيزيائي مع المكان.في رؤيته لهما زماناً ومكاناً ؛ يمكن أن تُفهَم على أنها سلبية.ذلك أن الزمان الذي يجب أن يفعِّل المكان والعكس هو ذلك الزمن الحيوي كما يراه برجسون ، فيما أزعم.
وانطلاقاً من فهمي السابق ؛ يمكن أن نتقارب فهماً مع برجسون الذي يرى أن الأحوال المتوالية للعالم يمكن أن تنتشر( أو تنبسط ) دفعة واحدة في المكان دون أن يغير علمه ودون أن يكف عن الكلام عن الزمان ، أما بالنسبة لنا - نحن الكائنات الواعية – فإن الوحدات هي التي تهمنا لأننا لا نعدَّ أطراف الفترات على أنها فترات محددة ( معينة ). (11)
وإذا ما ابتعدنا قليلاً عن جفاف الرؤى الفلسفية إلى الرؤى النقدية التي تتوجه للنص الأدبي ؛ فإننا سنجد علاقة المكان بالزمان علاقة تجسيد تختلف في النوعية لتتفق في الجوهر ؛ من حيث احتواء المكان للزمان بما يفعِّل دور كليهما للكشف عن جماليات النص ، ثم أبعاده السايكولوجية ؛ في منظومة التلقي ورؤيته النقدية .
إن حسني محمود من منطلق الرؤية السابقة يرى أن تجسيد المكان يختلف عن تجسيد الزمن ،حيث إن المكان يمثل الخلفية التي تقع فيها الأحداث ، أما الزمن فيتمثل في هذه الأحداث نفسها وتطورها.وإذا كان الزمن يمثل الخط الذي تسير عليه الأحداث فإن المكان يظهر على هذا الخط ويصاحبه ويحتويه ، فالمكان هو الإطار الذي تقع فيه الأحداث. (12)
وعن طبيعة إدراك كلٍّ من الزمان والمكان يضيف حسني محمود قائلاً : وهناك اختلاف بين طبيعة إدراك الزمن وطبيعة إدراك المكان ، حيث إن الزمن يرتبط بالإدراك النفسي ، أما المكان فيرتبط بالإدراك الحسِّي ، ومن هذا المنطلق نرى أن المكان ليس حقيقة مجردة ؛ وإنما هو يظهر من خلال الأشياء التي تشغل الفراغ أوالحيز.وأسلوب تقديم الأشياء هو الوصف ، بينما يرتبط الزمن بالأفعال ( الأحداث ).( 13)
والحق أن مسألة حصر الزمان في الإدراك النفسي ، والمكان في الإدراك الحسي مسألة تحتاج إلى مراجعة .لأن اجتماعهما معاً في العمل الأدبي مهما كان جنسه ؛ يمكن أن يُدركَا به نفسياً وحسِّياً ؛ من خلال استبطان البعدين الجمالي والنفسي معاً .فالزمن في رؤية شاعر كناجي في الأطلال تتحول فيه الثواني جمراتٍ في دمه. ومن غير شك أن هذه الجمرات التي تشغل – ولو تصوراً - بعداً مكانياً في دمه ؛ تتعدى الوقع النفسي إلى نوع من التوتر الحسِّي الذي يُدْرَك به بوصفها جمرات تؤرقه ويضطرب لها قلبه.وسنزيد هذه الأمر إيضاحاً - ربما بشكل غير مباشر- في النقطة القادمة.
v v v
خصوصية إدراك المكان
إن ارتباط الإنسان بالمكان وإحساسه به شيء فطري ، ولعل أول مكان ارتبط به الإنسان هو رحم أمه ؛ منذ كان نطفة فعلقة فمضغة ..حتى اكتمل تكوينه طفلاً ، ثم يبدأ ارتباطه بالعالم الخارجي إلى أن ينمو لديه الإحساس بالوطن والبيئة .وقد اتخذ الشعور بالمكان/ الوطن في العصور الحديثة بعداً أكثر عمقاً وشعوراً من ذلك الإحساس القَبَلِيّ القديم.
فكل إنسان عربي – مثلاً- على ظهر الأرض له وطن أصغر مصر/ العراق/ سوريا..إلخ ، ووطن أكبر ذو تراث وفكر ولغة مشتركة كالوطن العربي والأمة العربية.ولكن هناك أماكن - كما قلت في بحث سابق – تتأبى بوصفها أماكن أن تصبح لساكنيها مجرد وطن أصغر أو أكبر وفق المفهوم الضيق – مع اتساعه- ، فتضيق عن أن تستوعب هذا الزخم الروحي وعبق التاريخ الديني.(14)هذه الأماكن مثل : مكة المكرمة والمدينة المنورة والقدس الشريف.
والديوان الذي نحن بصدد قراءته نقدياً ؛ يدور شعره حول المدينة في خصوصيةٍ من رؤيةٍ لعبقرية هذا المكان الروحاني الشفيف في قلب كل مسلم. وإذا كان الذين يكتبون عن المدينة من غير ساكنيها من المبدعين كثيرين ؛ فإن الشاعر المدينيَّ المولد والنشأة حين يكتب من ( الداخل) قلباً وسُكْنَى ؛ سيختلف إبداعه فكراً ووجداناً عن الآخرين. ولعل هذه الخاصية لم تتكرر لأماكن أخرى في التاريخ أو لبقعة جغرافية في العالم . بمعنى أن ( المدينة ) المكان تأخذ حيزها في الذاكرة ويتداعى الإحساس بهذا الحيز وما يشكله في ضمير المؤلف ، حتى تلي الرغبة في (التدوين)...وتنبع الرغبة في التأليف عن المكان / المدينة من صيرورة الأُلفة والحب إلى توالي المعرفة بالقدسية ( قدسية المكان) في مئات الأحاديث الواردة عن المدينة وفضلها.( 15)
ومما يؤكد هذه الخصوصية من حيث إن إدراك المكان- وخاصة المكان القدسي- يكون نفسياً لا حسياً فقط كما ذهب إلى ذلك حسني محمود ؛ ما يضيفه محمد الدبيسي عن خصوصية المدينة قائلاً: وهنا تتضامن وتتضافر قدسية التعبير ذاته مع الألفة النفسية التي تزيدها تكثيفاً وتنبيهاً على القربى في السكن والزيارة ، وتأتلف هذه المكونات المعرفية في استثناء المكان – مع طبيعته التاريخية وكونه مهاداً - لتحول مهم وخطير في الدعوة الإسلامية حيث هجرة النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم في مصداقيتها للإشعاع الديني سلوكاً اجتماعياً وفقهاً عبادياً. (16)
v v v
ديوان المدينة..رؤية نقدية
مخطوطة ديوان المدينة (17) لشاعر سعودي شاب هو محمد الصفراني.وأول ما يلفتنا في الديوان سميوطيقا العنوان ؛ بوصفه علامة مكانية تبدو أول الأمر مبهمة ، إذ يتوقع المتلقي أن الديوان يتحدث عن المدينة ؛ أيَّة مدينة في مقابل القرية مثلاً، و ما يمكن أن نتوقعه من تداعيات فنية ونفسية من خلال الصراع بين المدينة والقرية ، وذلك لأن الشاعر لم يضم لفظة المنورة وصفاً للمدينة ؛ لتصبح المدينة المنورة ؛ ويغدو العنوان بهذا متماهياً مع أفق توقع المتلقي ، ويتداعى إلى أفقه: أنَّ ثمة شاعراً صوفياً أو إسلامياً ؛ سيتحدث في شعره عن روحانيات المدينة ( والتي لم يأتِ في أي من قصائده وصفها بالمنورة ).
ورغم أن عنوان الديوان كسر إلى حد ما أفق توقع المتلقي ؛ فإن تصفحه من الداخل – بعد أن نعرف أن معظم قصائده تدور حول المدينة المنورة - يظل من خلال قصائده يداعب أفق الانتظار عند المتلقي ؛ بين توقع صادق يتلقاه قارئاً ضمنياً وفق المنحى الرومانسي الواضح جداً والذي يسري في نسغ أغلب قصائد الديوان ؛ في بوح يعكس شعرية البساطة ، وبين ما يكسر هذا الأفق من خلال قصائد متميزة في الديوان مثل: السائقون و على الدائري و تذكار و إنجازات أُحيحة بن الجُلاح الأوسي .
إن ارتباط كل من المكان والزمان هو ما تنطق به جلُّ قصائد الديوان ؛ إذا ما تجاوزنا العنوان برمزيته المكانية . يتجلى هذا بدءاً من الإهداء الذي يمكن أن نتلقاه في شكله البنائي / الهندسي أشبه بقصيدة ؛ حيث يهدي الشاعر الديوان لأبيه قائلاً :
إلى
أبي
الذي
طوَّف
في المدائن
ثم اختارالمدينة
مهاجراً
فكان أنْ
فتَّحتُ عيني
في حضن محبوبتي(18)
إن الإهداء على هذا النحو يحمل أكثر من دلالة ؛ يأتي في مقدمتها الدلالة المكانية والزمانية. فأبوه طوَّف في المدائن ثم اختار المدينة مهاجرا ً ، والطواف في المدائن وفق هذا التركيب يحمل البعدين الزماني والمكاني مع الفعل طوَّف بوصفه حدثاً في زمن ماضٍ ، متخذاً من المدائن/ المدينة وعاءً حاضناً لزمن وحدث الطواف ، حتى يأتي ثم حرف العطف الذي يدل – زمنا ً- على الترتيب والتراخي ليسلم إلى السكينة اختياراً للمدينة قراراً وداراً للهجرة ؛ بكل ما تحمله مفردة الهجرة من دلالات وتداعيات القداسة / الإجلال / الرغبة التي خلعها الشاعر على أبيه المهاجر / المسلم ، وعلى المكان / المدينة المنورة.ليعلن في نهاية إهدائه أن المدينة صارت له أماً حاضنة ؛ بديلاً عن أمه الوالدة.
ويتجلى الإحساس بالمدينة الوطن مكاناً وزماناً في شعر الصفراني ؛ من أول قصائد ديوانه ، وهي قصيدة وطني ، حيث يقول منها :
وطني ..،
صباحُ
الخيرِ والأفراحِ
وطني ..،
صباحُ
الخيلِ
والأمجادِ
والأوقاتُ فيكَ أقاحِ(19)
إن الجملتين الاسميتين اللتين ضمهما البيتان السابقان ؛ يحملان – مبتدأً وخبراً - دلالات المكانية والزمانية .إن لفظة وطني بتركيبها الإضافي مبتدأً مضافاً إلى ياء المتكلم بما توحي به من خصوصية الانتماء تحمل وتحضن البعد المكاني في حنو ، وكأن هذا الوطن هو وطن يخص الشاعر وحده ، ثم يأتي الخبر/ المسند مع لفظة صباح ليحمل الدلالة الزمنية في خصوصية أخرى ؛ حيث يغدو الوطن صباحاً / زماناً من أزمنة الخير والأفراح والبهجة ، والخيل والأمجاد فروسيةً ورباطاً.لتتحول الأوقات/ الأزمنة فيه – من خلال صورة تجسيدية- إلى أقاحٍ تملأ المكان عبقاً.
إن تجذُّر المكان / المدينة / الزمان على هذا النحو عند الصفراني يؤكد على أن علاقتنا بالمكان تنطوي - إذن- على جوانب شتى ومعقدة تجعل من معايشتنا له عملية تجاوز قدرتنا الواعية لتتوغل في لا شعورنا .فهناك أماكن جاذبة تساعدنا على الاستقرار وأماكن طاردة تلفظنا .فالإنسان لا يحتاج إلى مساحة فيزيقية يعيش فيها ، ولكنه يصبو إلى رقعة يضرب فيها بجذوره وتتأصل فيها هويته ، ومن ثم يأخذ البحث عن الكيان والهوية شكل الفعل على المكان لتحويله إلى مرآة ترى فيها ( الأنا ) صورتها ، فاختيار المكان وتهيئته يمثلان جزءاً من بناء الشخصية البشرية ( قل لي أين تحيا أقل لك من أنت.) (2.)
والرؤية السابقة تقودنا إلى أخرى مهمة في الديوان ، وهي أن الشاعر في إبرازه لتجليات المدينة مكاناً يستوعب الزمان ، كان يتكىء على إبراز شعرية هذا المكان من عدة مناحٍ ؛ منها الإنسان بوصفه شاعراً ابن هذه البيئة التي يصنعها على عينه ويرى الوجود كله من خلالها ، ومنها مفردات هذه البيئة التي تحمل نوعاً من القداسة في عشقٍ صوفي يعكس خصوصية هذه الأماكن عالَماً يراه الشاعر من خلال ذاته . فمن قصيدته المدينة أمانتكم المدينة حبيبتي ، بما يحمله العنوان من خصوصية العلاقة ، يقول الصفراني :
إنِّي (المدينيُّ) ذو الصَّبْواتِ تــعرفُني .... هذي الظلالُ وكلُّ الغِيْدُ أشــْـــهادُ
كَمْ في قباءَ وفي قُربانَ قـــــرَّبني .... منهنَّ عشقٌ وروَّى الشَّوقَ مــيعادُ(21)
وتتنامى هذه الصور مع خطاب ديني يتسم بالوجدانية الشفيفة حتى يحتضن المكان الزمان ، من خلال تصويره للهجرة بوصفها أهم حدث أكسب المدينة نورانيتها وجعلها توصف بالمنورة ، ولعل هذه هي المرة الأولى التي يعلن فيها الشاعر بطريق غير مباشرة الوصف المباشر للمدينة بأنها المنورة فيقول :
وتلـكمُ الهجرةُ البيضاءُ تدخُـــلُنِي .... عوالمَ النُّورِ والتنويرُ صَــعَّادُ
شمسُ الحضارات من عينيكِ مشـرقُهَا .... نورٌ على نورِ منهُ الكونُ يزدادُ
لكِ الهوى والرؤى والشوقُ يا عُمرِي .... ولي بقربكِ جــنَّاتٌ وإِسـْعَادُ
فبادليني الهوى واستمـطري صوراً .... عفويةَ الرَّسمِ يسري فيـه إيقادُ(22)
إنها رؤية من ذات الإنسان الذي يسكن المكان سويداءها فيتجاوز النور إلى التنوير السرمدي الصعاد ، حيث شمس الحضارات – من خلال بعد زمني تحتضنه المدينة مكاناً - تشرق من عينها ، إنها رؤى هوىً وهوى رؤىً يتبادلها الشاعر ويستمطرها من مدينته عفوية الرسم في تصوير يحيل المجرد الموحي بالبراءة والبساطة مجسداً محسوساً يسري دفؤه هوى في جسد المحب .
ونظرة الصفراني للمدينة على هذا النحو الحميمي بوصفه شاعراً مدينياً يمكن أن تؤكد رؤيةً للدبيسي ألححنا عليها كثيراً ؛ مفادها : أن ليس ثمة وجود بلا مكان! ويستدعي وجود المكان وجود الإنسان محور ذلك الوجود والعامل الشاهد واقعياً على مشهد الحياة .وتتنوع الأجناس الإنسانية بتنوع المكان ، وما يترتب على ذلك التنوع من اختلاف ؛ في المعتقد واللون والمزاج والسلوك والتكوين ؛ إذ يصطبغ الإنسان بمكانه ، ويعكس مزاج بيئته ومواصفاتها ومواضعاتها وتركيبتها النفسية.( 23 )
ولنا أن نعد الصفراني من خلال ديوانه واحداً من الشعراء القليلين الذين اتخذ الخطاب الديني في قصائدهم شكلاً فيه تجديد على مستوى الرؤية والأداة. فلم تعد قصائده تهوِّم مثل كثير من هذا الصنف من الشعراء - الذين ينظمون وفق هذا الخطاب - مع صور أبلى وجهها الوعظ المباشر الخالي من تخليق صور بكر ، وقد تأَتَّى له التجديد في صوره من خلال صبغ هذا الخطاب بصور تجمع بين منطقية احتوائها للاتجاه الرومانسي الوجداني الذي قد يتماهى مع الخطاب الديني ، وبين خلقها لمفردات تكوِّن نكهة جديدة لصور تجمع بين رؤى تراثية وأخرى معاصرة تجسد شعرية البساطة والعفوية بلا تكلف ، بما يكشف عن عبقرية المدينة مكاناً. وربما يصدق هذا على المقطع التالي من قصيدته تلك السنين :
الليلُ
والشَّايُ الكُمَيْتُ
على أساطيح المنازلِ
في المدينةِ
جنَّةٌ
من تحتِهَا
تجري
أحاديث السَّمَرْ
رقراقةً
لبناً وخمراً
لذةً
للسامرين على القمرْ (24 )
إن وصف لون الشاي بالكمتة ( وهو لون يجمع بين الحمرة والسواد ) ؛ ينقلنا بين الموصوف / الشاي ، والصفة / الكميت إلى عوالم متباينة تقاربها في شعرية من البساطة العارية من أي تكلف هذه الصورة التشبيهية البسيطة ، ذلك أن الكمتة- في بعض استعمالتها الشائعة – تكون لوناً للفرس ووصفاً له فيقال فرس كميت.ولأن الشاعر مديني مسكون بعوالم الفروسية التي أقرتها في لا شعوره الجمعي عبقرية المكان / المدينة ، ولأن شايه مديني الهوى يشربه في أجواء من الصفاء تعكس تجليات المكان وقسماته وتداعياته في لذة / بهجة / فروسية ؛ فقد وحَّد بين هذه العوالم وهذه الأجواء حيث : الليل / الشاي الكميت / أساطيح المنازل المدينية / خصوصية المكان ؛ جاءت تمهيداً لما هو أهم ؛ حيث تتجلى عبقرية المكان أكثر في رحاب التناص القرآني.
إن المقطع الشعري السابق يستدعي – بما يعمِّق قداسة وعبقرية المكان - قوله تعالى من سورة محمد الآية 12 ( إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناتٍ تجري من تحتها الأنهار ... ) الآية ، وكذلك الآية 15 من السورة نفسها ؛ حيث قوله تعالى ( مثلُ الجنَّةِ التي وُعِدَ المتقون فيها أنهارٌ من ماءٍ غيرِ آسن وأنهارٌ من لبنٍ لم يتغيَّر طعمُهُ وأنهارٌ من خمرٍ لذَّةٍ للشاربين وأنهارٌ من عسلٍ مصفَّى ولهم فيها من كلِّ الثمرات ومغفرةٌ من ربهم ... ) الآية.
ويخبرنا المفسرون عن الآية ( 12 ) ؛ أنه لمَّا ذكر تعالى أنه ولي المؤمنين ذكر ما يفعل بهم في الآخرة من دخول الجنات ، التي تجري من تحتها الأنهار التي تسقي هذه البساتين الزاهرة والأشجار الناضرة المثمرة ، لكل زوج بهيج وكل فاكهة لذيذة. ( 25 )
ويخبروننا عن الآية ( 15 ) ؛ أن مثل الجنة التي أعدها الله لعباده الذين اتقوا سخطه أي نعتها وصفتها الجميلة فيها أنهار من ماء غير آسن أي غير متغير ، لا بوخم ، ولا بريح منتنة ، ولا بمرارة ، ولا بكدورة ، بل هو أعذب المياه وأصفاها وأطيبها ريحاً وألذها شرباً ، وأنهار من لبن لم يتغير طعمه بحموضة ولا غيرها ، وأنهار من خمر لذة للشاربين أي: يلتذ به شاربه لذة عظيمة ، لا كخمر الدنيا الذي يُكرَه مذاقه ويُصدع الرأس ، ويغول العقل ، وأنهار من عسل مصفَّى من شمعه وسائر أوساخه.(26 )
ويتمثل الصفراني كل هذه المعاني القرآنية ويعيد نتاجها في شعره بوحي من عبقرية المدينة هذا المكان المقدس ؛ مخلِّقاً صوراً ينأى بها عن الوعظ المباشر والمعاني المسكوكة في هدي تناص قرآني فاعل في نتاج المعنى ؛ بما يخلع القداسة مع صور صادقة مع واقع المكان والفن معاً ، ليتحول الشاي – إيحاءً - إلى مشروب مقدَّس ، يكتسب قداسته من المكان في أجواء يختلط فيها الخطاب الديني مع رهافة وسمو التصوير ، ليغدو الشاي هنا كلبن وخمر الجنة ،حيث تغدو أساطيح منازل المدينة ؛ بل والمدينة نفسها جنَّةً من جنان الله في الأرض . وهنا يتسع الإيحاء من خلال التناص القرآني الفاعل في صور الصفراني ؛ إلى أن يتحول السمر وأحاديثه إلى كلام ليس ككلام البشر العاديين ؛ مجرد لغو حديث ، ولكنه يرتقي لأن يكون حديثاً يحمل نوعاً من شفافية وطهارة المكان ، حيث يجري رقراقاً من تحت جنة المدينة ؛ غير متغير بمرارة ووخم وكدر – من خلال صورة بلاغية تجسيدية - . ليصبح الحديث كلبن وخمر الجنة لذةً للسامرين / المؤمنين على ضوء قمر مدينيٍّ يكتسب جماله من عبقرية وروح المكان.
إن عبقرية المكان كما يقول الدبيسي بصدق لا يمكن التماسها ، إلا بذلك النص المتعالي بتقنياته وفنياته والمؤسس على دراية حسية بسمات المكان وخصائصه.(27)، كما لمحنا ذلك من معايشتنا للمقطع السابق ، وما يمكن أن نجليه بعمق أكثر في النقاط القادمة من البحث ؛ ونحن نتحدث عن الأدوات والتقنيات التي توسَّل بها الشاعر لكي يكشف عن عبقرية وشعرية المكان والزمان للمدينة.
v v v
ولا بأس أن نسوق نموذجاً آخر يعكس شعرية البساطة من خلال نسغ رومانسي رقيق يسري في جنبات الخطاب الديني ، لنؤكد أن هذا الخطاب المهم في مسيرة الشعرية المعاصرة يجب أن تسقط عن وجهه المشرق تلك العبارات المسكوكة ؛ التي تضرب بجذورها في بطون المعاجم ؛ وإلا يظل خطاباً هلامياً لا هوية له .
.



رد مع اقتباس

المفضلات