قَال الْمُؤَلِف ابْنِ الغُنَيْم الْمَرْوَانِيّ :
إلَى هُنَا انْتَهَى مَا نقلته من كِتَابِ الشّيْخِ الْإِخْبَارِيّ حَمَد, وَفِي بَعْض مَا قَال الشّيْخ نَظَر, وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ : أَمَّا الاِسْمُ الْقَدِيمِ لِقَرْيَة المُلَيْلِيح فَلَيْسَ بَيْنَ يَدَيَّ مِنْ الْمَصَادِرِ مَا يُوَضِّحُهُ، وَكَانَتْ تُعْرَفُ بِاسْمِ أَبِيَار نَصِيف فِي الْقِرْنِ الْمَاضِي, ثُمّ حَاوَلَ الشّيْخ أَنْ يَجِد عَلاَقَةٌ بَيْنَ الْمَوْضِعَيْنِ فَلَمْ يَرْبِطَ بَيْنَهُمَا إلّا بِتَّعْلِيلهِ لِسَبَب تَسْمِيَة الْمَوْضِع, فَقَال : وَأَرَى أَنَّ اسْمَهَا الْقَدِيمُ هُوَ : مُرٌ : بِالْمِيمِ الْمَضْمُومَةِ بَعْدَهَا رَاءٌ مُشَدّدَةٌ، فَقَدْ ذَكَرَ الْمُتَقَدّمُونَ مِنْ الْعُلَمَاءِ أَنْ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَقْطَعَ عَوْسَجَة بْن حَرْمَلَة بْن جُذَيْمَة بْن سَبْرَة الْجُهَنيّ مَنْ رِفَاعَةَ أَقْطَعَهُ ذَا مُرٍّ، وَأَمَرَهُ عَلَى أَلْفِ رَجُلٍ مِنْ جُهَيْنَةَ, ومُرٌ هَذَا ذَكَرَهُ الْحَازِمِي فِي « كِتَابِ الْبُلْدَانَ » أَنّهُ وَادٍ مِنْ بَطْنِ إضَم، وَقِيلَ : هُوَ بَطْنِ إضَم, وإضَمُ هُوَ : وَادِي الْحَمْضِ, هَذَا الّذِي أَرَاهُ استنتاجاً مِنْ كَوْن الْمَوْضِعِ مَعْمُورًا مُنْذُ عَهْدٍ قَدِيم، وَقَدْ تَكُونَ هُنَاكَ صِلَةً بَيْنَ كَلِمَةِ « الْمُليْلِيح » وَ « مُرٍ », وَهِيَ أَنَّ الْمَاءُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ لَيْسَ عَذْباً .
قَالَ ابْنُ غنَيْم الجُهَنِيُّ :
المُلَيْلِيْح : بِضَمِّ الْمِيم وَفَتْحِ اللاَّمِ بَعْدهَا يَاءٌ أُخْتُ الْوَاوِ مُثَنَّاةٌ تَحْتَانِيَّة سَاكِنَةً فَلَامٌ مَكْسُورَةٍ فَيَاءٌ أُخْرَى سَاكِنَة وَآخِرَهُ حَاءٌ مُهْمَلَة, هَكَذَا نَضْبِطََهُ, وَكَذَا رَأَيْنَاهُ مَضْبُوطاً فِي كِتَابِ أَسْمَاءِ الْمُدُنِ وَالْقُرَى وَمَوَارِدَ الْبَادِيَة, وَوَقَعَ فِي كِتَاب مَعَالِم الْحِجَاز : المُلَيْلِيْح : عَلَى وَزْنِ فَعِيعِيل, كَأَنّهُ تَصْغِيرَ الْمِلوْح, قَرْيَةٍ عَامِرَة لِجُهَيْنَة فِي طَرَف وَادِي الْحَمْض مِنْ الْغَرْبِ فِي الْمُنْدَسَّةُ مِنْهُ, يَصبُّ عَلَيْهَا مِنْ الْغَرْب وَادٍ بِاسْمِهَا مِنْ جَبَلِِ الأَجْرَد, تَبْعُدُ عَنْ الْمَدِينَة غَرْبًا 68 كَيْلاً, فِيهَا مَدْرَسَةٍ وَمَسْجِد وَمَرْكَز تَابِعٌ لِلْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ, وَالْأَرْضِ الْمُحِيطَةُ بِهَا وَالْمَعْرُوفَة بِالْمُنْدَسَّةُ هِيَ جزعٌ كَبِيرٌ مِنْ وَادِيَ الْحَمْض, صَالِحَةٍ لِِلزِرَاعَة, وَفِيهَا كَثِيرٍ مِنْ الْآبَارِ وَالْبَسَاتِين, وَلَكِنْ نِسْبَة الْمَزْرُوعِ مِنْ الْأَرْضِ ضَئِيلٌ جِدّا, وَلَوْ اُسْتُصلِحت تِلْكَ الْمِنْطَقَةِ لا تَسَعْت لِعَشَرَاتِ الْأُلُوف مِنْ السُّكَّانِ . اِنْتَهَى كَلَامه.
قُلْت : وَأَمَّا عَنْ سَبَبِ تَسْمِيَة المُلَيْلِيْح بِآبَارِ نَصِيف, فَيُجَاب عَنْهُ بِأَنَّ هَذِهِ تَسْمِيَةٍ مُحْدَثَةٌ مُتَأَخِّرَة, لَمْ يَعْرِفهَا أَوْ يَأْلَفهَا أَعْرَاب أَهْل الْمِنْطَقَة, وَإِنَّمَا أُطْلِقَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ التَّسْمِيَة مِنْ حَجِيجُ الرّكَبِ الشَّامِيُّ وَالْمَغْرِبِيّ, وَلَمْ يُسْتَعْمَل هَذَا الِاسْم أَوْ يَشْتَهِرَ إِلَّا فِي مَا بَيْنَهُمْ, وَلاَ تَجِدْهُ إِلَّا فِي كُتُب رَحَلات الْحَجّ, وَيَبْدُو أَنَّ نَصِيف هَذَا أَمِيراً مِنْ الأَْتْرَاكِ الْعُثْمَانِيِّينَ, احْتَفَرَ بِالمُلَيْلِيْح عَدَدًا مِنْ مِيَاهِ الْآبَارِ لسْقِيَاء الحُجّاج فَسُمِّيَتْ بِذَلِكَ نِسْبَةً إلَيْهِ, وَلِهَذَا سَمَّاهَا النابلسي فِي رِحْلَتِة آبَارِ الْأَمِير, وَهَكَذَا الْخيَارِيّ بِرِحْلَتِهِ, وَرَأَيْتهَا فِي مَخْطُوط مِشْعَل الْمَحْمَل, وَسَمَّاهَا عَبْد السَّلَام الدُرَعِي آبَارِ نَصِيف, وَكَذَا أَوْرَدَ تَسْمِيَتُهَا السنوسي بِكِتَابَة, وَذَكَرَ أَنَّهُ بِالمُلَيْلِيْح قَدْ اِجْتَمَعَ بِالشَّيْخ صَالِح الْأَصَمّ أَحَد عُلَمَاء الجراكسة, وَأَطَالَ بِالْحَدِيثِ عَنْهُ, وَكَذَلِكَ إِلْتَقَى بِصَالِح الإربيلي مِنْ عُلَمَاء الشِّيعَة, وَأَطْلَقَ عَلَيْهَا المكناسي آبَارِ نَاصِف, وَقَال ابْنُ عَبْدِ السَّلاَمِ الدُرَعِيّ : وَسِرْنَا حَتّى نَزَلْنَا, وَقَدْ مَضَى مِنْ اللَّيْلِ سَاعَات, آبَارِ نَصِيف : ذَاتِ الْمِيَاه الْعَذْبَة، وَفِيهَا الْمَالِح، وََتَعْذَب بِمَاءِ الأَْمْطَارِ إِنْ نَزَلَتْ بِهَا, وَلَيْسَ بِهَا عِمَارَةٌ وَلاَ سُوْق, وَبِهَا سَمِعْتُ أَعْرَابِيًّا يَقُولُ لِحَاجٍّ : إِبْغِنِي بَرْدَعَةِ بَعِيرٌ أَشْتَرِيَهَا, مِنْ بَغَا الشّيْءَ يَبْغُو : نَظَرَ إِلَيْه، أَوْ مِنْ بَغَيْتَهُ أبغِيه بُغَاء طَلَبَتْهُ, وَإِبِغَاءُ الشَّيْءُ طَلَبُهُ لَهُ, كَبَغاهُ إيّاهُ : أَعَانَهُ عَلَى طَلَبِهِ, وَالْمَعْنَى عَلَى الأَْوَّل : اُنْظُرْ لِي بَرْدَعَة اشْتَرِهَا، وَعَلَى الثَّانِي : أُطْلُبهَا لِي, كَمَا فِي الْقَامُوس . اِنْتَهَى كَلَامه .
وَوَجَدْتُ فِي مَخْطُوطَةِ اِسْتِكْشَاف طَرِيق الأَْرَاضِ الْحِجَازِيَّة مِنْ الْوَجْه وَيَنْبُع النّخْل إلَى الْمَدِينَة النَّبَوِيَّة, قَال : وَفِي السَّاعَة 7 و20 دَقِيقَةً أَنَخْنَا لِلاِسْتِرَاحَةِ قَدْرَ نِصْف سَاعَةً, عَلَى مَسِير 23 أَلْف مِتْرٍ, وَكَانَتْ الشّمْس كَثِيرَة الْحَرَارَةِ فِي هَذَا الْيَوْم, مَعَ أَنَّ الشّمْس كَانَتْ فِي الْحُوت, وَالْفَصْل فَصْل الشّتَاء, وَلَوْلَا كَثْرَةُ الْمِيَاه الَّتِي مَعْنَا لا تَعْبَتْنَا شِدّةِ الْحَرّ, ثُمَّ سِرْنَا وَأَنَخْنَا عَلَى مَسِيرَةِ 35 أَلْف مِتْرٍ مِنْ سَيْرِ هَذَا الْيَوْم بِمَحْطة « المليح », وَهَذِهِ الْمَحْطة بُقْعَةٍ سَهْلَة الْأَرْضِ, بِهَا آبَار مِيَاه حُلْوَةٌ . اِنْتَهَى,
قَالَ الجُهَنِيّ وَقَدْ حَدَّثَنِي جَدِّي عَنْهَا, وَهُوَ شَيْخٌ كَبِيرٌ لِقَوْمِه يُقِيمُ بِالْبَادِيَةِ, قَدْ خَنْقَ الْمِائَة سَنَة, فَقَال : مَرَرْتُ بِهَا وَأَنَا فَتَىٍ صَغِير السِّنّ, مُرْتَحِلٌ بِإِبِلِي, فَوَرِدْتُ آبَارِهَا لِسِقَايَة الْإِبِل, فَإِذَا هِيَ ثَمَايِلٌ عَدِيدَة, تَنْبِعُ مِنْ بَطْنِ وَادِي الْحَمْض, وَكَانَتْ تُدْعَى حِينهَا « مِلْحَه », بِكَسْرِ الْمِيم وَسُكُونِ ثَانِيه, ثُمَّ حَاء مُهْمَلَة مَفْتُوحَة, كَذَا نَطَقَ لِي ضَبْطِهَا عَافَاهُ اللَّه, وَلَمْ أَجِد مَنْ ذَكَرَ هَذَا الِاسْمِ قَبْلنَا مِنْ سَلَفاً أَوْ خَلَفًا, وَمَا كِدْتُ أَسْمَعْهَا حَتّى فَرِحَتُ بِهَا, وَلِهَذَا أَرَ أَنَّ مَا وَقَعَ فِي كِتَاب أَبُو عَلِيّ الهَجرِيّ مِنْ تَحْدِيدُهُ لِمَوْضِع « مِلْحَتان », هُوَ فِي غَايَة الدِّقَّة بِالْوَصْفِ للمُلَيْلِيْح, فَلِلَّهِ دَرُّهُ مِنْ أَخْبَارِيٌّ فَحْل, وَلَعَمْرِي لَقَدْ وَقَعَ الحَافِرُ عَلَى الحَافر, فمَوضِعُ المُلَيْلِيْح يَنْطَبِق عَلَى مِلْحَه,
وَإِنّ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ لِهَؤُلَاءِ الْعَرَب الأَقْحَاح, مَا أَشَدّ وَلاَئِهِمْ لِلْأَرْض وَالْبَقَاءِ فَوْقَهَا, مَعَ إِسْتِبْسَالٌ فِي حِمَايَة بَيْضتِها, فَلَمْ يَعْتَرِي شَيْءٌ مِنَ التَّغْيِيرِ أَوْ التّصْحِيف أَسْمَائِهَا الْقَدِيمَةِ كُلّ هَذِهِ الْقُرُون, وَلِهَذَا قَالَ أَبُو الْقَاسِم الزَّمَخْشَرِيُّ فِي الْجِبَالِ وَالْأَمْكِنَة وَالْمِيَاه : مِلْحَتانِ : تَثْنِيَةِ مِلْحةٍ, لِلْقِطْعَةِ مِنْ الْمِلْح : وَادٍ مِنْ أَوْدِيَة القَبَلِيَّة, وَحَكَاهُ الْفَيْرُوزُ آبَادِي فِي مَعَالِم الْمَدِينَة, وَكَذَلِكَ أَوْرَدَهُ الْحَمَوِيّ بِمُعْجَمِة, وَلَمْ يَزِدْ فِي التَّعْرِيف بِهِ عَلَى مَا فِي هَذَا, وَنَقَلَ السَّمَهُودِيُّ فِي تَارِيخِهِ الْكَبِير وَالصَّغِير عَنْ أَبُو عَلِيّ الْهَجَريُّ : مِلْحَتانِ تَثْنِيَةِ مِلْحةٍ, لِلْقِطْعَةِ مِنْ الْمِلْح : مِنْ أَوْدِيَة القَبَلِيَّة بالأشَعَر, مِمَّا يَلِي ظَلِمٌ مِنْ شِقِّهِ الشَّامِيّ, وَهُمَا مِلحَة الرِّمْثِ, وَمِلحَة الحَريض, بِهَا شِعْبٌ ضيِّقٌ يَحْرِضُ الْإِبِلَ . انْتَهَى, يَقُول ابْنُ الْغُنَيْم الْمَرْوَانِيّ : الْمِلْحَتانِ, هُمَا : مُلْحَةُ الرَّمْثِ, وَمُلْحَةُ الحَرِيض, وَهَاتَيْنِ الْمِلْحَتَيْن يَظْهَر أَنَّ أَصْل تَسْمِيَتهُمَا بِذَلِكَ اُشْتُق مِنْ اِسْم بَنِي مُلْْيِح الْجُهَنِيُّون, وَمِلْحَه قَدْ تُضْبَط « مُلْيحَة » بِزِيَادَةِ الْيَاء أُخْتُ الْوَاوِ, بَيْنَ اللّامِ وَالْحَاء الْمُهْمَلَة, إلّا إِنَّهُ ضَبْطٌ غَيْر مَحْفُوظ, بَلْ أَرَهُ تَصْحِيف, وَلِهَذَا أَفْرَدَ أَبُو عُبَيْدٍ الْأَنْدَلُسِيّ فِي الْبُلْدَانِ رَسْمُهَا فَقَالَ : مِلْحَة : بِكَسْرِ أَوّلِهِ، وَإِسْكَانِ ثَانِيهِ، وَبِالْحَاءِ الْمُهْمَلَة, مَوْضِعٌ قَدْ تَقَدّمَ ذِكْرُهَا فِي رَسْم الأشْعَر . انْتَهَى,
المفضلات