فلما سمع ذلك ينبع البحر قال :
لقد تعديت حدودك وأطوارك , وسنفضحك اليوم في عقر دارك , ولقد جئت شيئا نكرا , تكاد له الأرض خسفا , فلله العجب , لسوء المنقلب , البغاث أستنسرت , والمعاز أستسيست (!) , هيهات هيهات لن تدوس لي على بساط , ولو ولجت في سم الخياط , ...

أنا جند الله الغالب , وعقاب الله الضارب , يرسلني على الظالم فأقسمه , وأمر المولى لا شي ينازعه , قد دمرت ولاية أمريكا , فصارت قاعا دكيكا , ينتقم الله بي من الظالمين , فيصبحوا من الخاسرين , فأقسم كبرهم بأمره , وأمرغ أنوفهم بوحله , هذا وعرش الرحمن فوقي , فأي عظمة تزيد عظمتي ؟ , ... والحق واضح أبلج , والباطل معتم لجلج , فكف عنك اللجاج , فالصدق بينا وهاج , فهو سيجلي عنا الغياهب , ليعرف من الصادق والكاذب ؟ , فأنا بالعدل سوف أفيك , ولن أتي على جميع ما فيك , ...

يا ينبع النخل , إليك هذا الفصل , ( والليل وما وسق ) , ( والقمر إذا أتسق ) , لن تفوتني بسبق , ولن تكدرني بقلق , ولو علمت ما فيك من المساوي , لما برزت لحلبة المفاخرة والتساوي , لن تبلغ والله مثل ما لدي ولو عرقت , ولو لأبواب الخليفة المعتصم طرقت , وإن أثارك لم يبق منها إلا الأخبار , أما آثاري فدونك تشاهدها الأبصار ,

ألم تسمع قول ابن حميدس حين قال , ووصف بحري بأحسن مقال ؟ :
[poem=font="Simplified Arabic,6,blue,normal,normal" bkcolor="transparent" bkimage="" border="none,4,blue" type=0 line=0 align=center use=ex num="0,black"]
يهدي لك البحر مما فيه معظَمه=والبحر لا شك فيه معدن الدرر [/poem]

ألم تسمع قول ابن مشرف , حين عدل بالقول وأنصف ؟ :
[poem=font="Simplified Arabic,6,blue,normal,normal" bkcolor="transparent" bkimage="" border="none,4,blue" type=0 line=0 align=center use=ex num="0,black"]
والبحر أجمعه طهور ماؤه=وتحل ميتته من الحيتان
إياك نفسك والعدو وكيده=فكلاهما لأذاك مبتديان[/poem]
... ألم تعلم أن صوت أمواجي تسبيح , وأن فضائلي لا تحتاج لمزيد توضيح ؟ , ألم تقرأ أيه الموتور , قسم المولى الشكور , ( والبحر المسجور ) , أبلغك ما سطرناه من المنثور ؟ , أولم يأتك نبأ ما في الزبور ؟ , ( قد وضع للبحر حده , فلا تتعدى المياه تخمه ) , أولم تعلم أن ما خلق في البحر , أضعاف ما خلق على البر ؟ , ...

والذي فلق البحر لبني إسرائيل رهواً , أنك لست لي نداً ولا كفواً , أولم تلاحظ , قول الجاحظ ؟ , إذا خبث وملح ولد الدر , وأثمر العنبر , وقال عني الحكماء , لكثرة فضلي والعطاء , البحر في السخاء , والبدر في العلاء , وحدث عن البحر ولا حرج , وعن الفضل ولا حرج , ...

وحسبي شرفا وقدراً , أن المولى ضربني مثلاً , فقال في الوصف , وفي سورة الكهف , ( قل لو كان البحر مداداً لكلمات ربي لنفذ البحر قبل أن تنفذ كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا ) , تالله لو أنصفت لقلت قولاً رشدا , ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشدا , فلي الشرف بهذه الكرامة عليك , ولن تأتي بمثلها ولو أن تعض على يديك (!!) ...

فقال ينبع النخل :
قد أنى لنا أن نكشف عن الحال , ونبين لمن يكون فصل المقال , فقد كنت لا أريد أن أكثر من فضائلي , خشية أن لا يستجاب لي شي من أعمالي , فسمع يا من حشيت كلامك بالتهديد والوعيد , تالله وبالله إن ما سمعته مني لهو رأس الجليد , وإن لم تنتهي عما أنت فيه من الباطل , لنجعلنك محل سخرية من العاقل والجاهل , فقد احتملنا سوء قولك والفحشاء , ولن تعجزنا والذي رفع السماء , ...

وسوف نفضح زيف أقوالك , ونكشف عن سوء أحوالك , أما قولك أنك عقاب الله , فأنا الرحمة المهداة , والرحمة خير من العقاب , والله عنده حسن الثواب , وحسبك أن جهنم يستعاذ منها كرهاً , ورحمة الجنان يرغب إليها حباً , فأنا بساتين نخلي جنان ونعيم , وبحرك قد روي أنه عين جحيم , فهذا فرق بيني وبينك , ولو أوجفت عليه بركبك وخيلك , ...

وأما ما ذكرت من أن آثاري قد ماتت , فهذا قرب انبلاج صبح ليلا فيه قد باتت , فلا تفرح بهذه وتجعلها لك عيد , فحال مآلك ليس عني ببعيد , ذلك ذكرى لمن يخاف وعيد , والله على كل شي شهيد , أما استشهادك وافتخارك بالأشعار , فدونك قول شاعر المهاجرين والأنصار :
[poem=font="Simplified Arabic,6,blue,normal,normal" bkcolor="transparent" bkimage="" border="none,4,blue" type=0 line=0 align=center use=ex num="0,black"]
الدار واسعة والنخل شارعة=والبيض يرفلن في القسي كالبرد[/poem]
أبلغك أيه الطرير , قول الفحل جرير ؟ :
[poem=font="Simplified Arabic,6,blue,normal,normal" bkcolor="transparent" bkimage="" border="none,4," type=0 line=0 align=center use=ex num="0,black"]
الضاربو النخل لا تنبو مناجلهم=عنِ العذوق ولا يعييهم الكرب[/poem]
إليك أيه الشاكي المتجني , قول أبو العلاء المعري :
[poem=font="Simplified Arabic,6,blue,normal,normal" bkcolor="transparent" bkimage="" border="none,4," type=0 line=0 align=center use=ex num="0,black"]
يا وردنا ماء دجلة خير ماء=وزرنا أشرف الشجر النخيلا [/poem]
جالب تمر , إلى أرض هجر , ألا تعلم أنني موطن لشجر صالح , كما قال ابن عبد القدوس صالح ؟ :
[poem=font="Simplified Arabic,6,blue,normal,normal" bkcolor="transparent" bkimage="" border="none,4," type=0 line=0 align=center use=ex num="0,black"]
كن كالنخيل عن الأحقاد مرتفعاً=يرمى بصخر فيعطي أطيب الثمر[/poem]
.... وقد روى ابن حبان , عن سيد ولد عدنان , ( أبت الأنصار , إلا حب التمر ) , وروى الطبراني في الأوسط والكبير , عن من أنجانا الله به من السعير , ( إن الله تعالى يحب من يحب التمر ) , ولن تبلغ مثل هذه ولو عمرت أبد الدهر , وحسبي بهذا شرفا عظيما , ودونك مرتقا صعبا عسيرا , فهل لك بمثل هذه نظير ؟ , تالله إنك بمثل هذا لفقير ! , ...

وأما إن كنا من المكذبين الضالين , فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين , فإليك فضائل لن تنالها , ولن تبلغ عشر أمثالها , ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرا , وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا , وأما مساواتك بين خيرات البحر والبساتين , قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين ؟ , ( والنخل ذات الأكمام ) , لتذيقك طعم الإفحام ...

وقد روى البخاري في الصحيح , عن خير من نطق باللسان الفصيح , كان يمر عليه الشهر والشهران , ولا طعام يعتاش عليه سوء الأسودان , وروى الحاكم في المستدرك على الصحيحان , أنه كان يسمي التمر واللبن الأطيبان , ... وقد روى النسائي , عن أبي هريرة الصحابي , عمن دونت به السنة , قال : ( العجوة من الجنة ) ...

فلما سمع ذلك ينبع البحر :
تلاطم غاضبا وزخر بالمد والجزر , فقام هائجا وقال , أسمع أيه المختال , قد حمي الوطيس , على القراطيس , أنا ذو العز الشامخ , والمجد الأثيل الباذخ , قد أنطبق عليك المثل الذي قيل , أسمج من شيطان على فيل , فسمع أيه الحيران , هذا الخبر والبيان , ... لن تمحوا آثاري ولو أوتيت ملك عاد , أو فرعون ذي الأوتاد , ...

وأما وعيدك لي بالإفحام , فستعلم لمن الإقدام والإحجام ؟ , وأما مقابلتك لحالنا بالآثار , وحجبك لما نشاهده اليوم بالأبصار , ففيه ما فيه , ومضحكة معانية , ...

وعندما تيقنا أنك لم تساجلنا إلا طامع , رددنا حججك بكل برهان قاطع , ... فدونك عزا لا تستطيع مناله , ولن تأتي ولو بعشر مثاله , وأما تحولك إلى التفاضل في المحال , وتفاخرك بما تشرفت به من الجبال , ...

أما افتخارك بمسجد العشيرة , فذاك قد اختلفت فيه العشيرة , وهو قول كبارح الأروي , ولا يوجد له أثر وراوي , صاحت به حوادث الدهر , ولم يجزم له بموضع وآثر ... فإن كنت تريد منازلتي فأنا لك أريد , ولنأوي معا إلى ركن شديد , فما كل بيضاء شحمة , وما كل سوداء فحمة , ...

ولو سلمنا لك ذلك جدلا , فقد عارضناك بمثله فضلا , وأتيناك بما لم تأتي به أصلا , وهذا حجة عليك وعدلا , وليتك إذا عجبت بنفسك , دعيت عنك التكلف بغيرك , فأعرف أمرك وقدرك , وتخلى عن وزرك وكبرك , فدع عن التفلسف والسفسطة , وتخلى عن الجدال والمغالطة , والذي رفع السماء وبناها , وبسط تحتها الأرض ودحاها , لقد أكثرت من المخاصمة وأغريت , وطرحت الأدب حتى تعريت , قد غرقت في بحر الكلام , وسنظل عليك من غمام الإفحام , ...

فهل تكسرت أمانيك وأحلامك , على صخرة آثار تاريخنا أم مالك ؟ , فقم لملمت ما تبقى من آثارك , فالطريق بيننا لا زال طويل أمامك , وكل حاطب على لسانه تمرة , وكل حاسد على قلبه جمره (!) ...

قال ينبع النخل عند ذلك :
والذي أنشا النخل الباسقات , وجعلها نعيم لأهل الجنات , إن لوراء الأكمة ما وراءها , وسوف نكشف عن غطاءها , فقد أكثرت اللجاج , وماءك ملح أجاج , فيا صغير الجرم , ويا عظيم الجرم , إن من مفاخري قربي من العيص , فهل لك عن هذه من محيص ؟ , فذكرها مشهور في السير والأخبار , وكفاها نزول نبينا المصطفى المختار , أتعلم أنها منازل خير القبائل , ذوي العز الكماة البواسل , تلك جهينة الأخيار , أبناء المهاجرين والأنصار ...

ألا تعلم أن كتائب جيوش محمد من أقوامي , وإرعاد كتيبة المشرفية من جهينة أسود آجامي ؟ , ألا علمت أني عين محمدا يوم بدر , وهذا شي من فضائلي بكل فخر , ...

هيهات هيهات أنا أفضل بقعة , كربوة على تلعة , أرضي ذات بهجة , رياضي لجة , ونزهتي متعة , أرضي النفس لها عانية , كحب العرب لسانية , سمائها صافية , ومياهها جارية , وأرضها رابية , وثمارها نامية , وقطوفها دانية , وأزهارها نادية , وطيورها شادية , فأنا ظلي ممدود , وفضلي مشهود , وكرمي غير محدود , وسكاني أهل جود , ...
أرق من نسيم الصبا , وأجمل من تبسم زهر الربا , وألين من تسلسل الماء في الحصا , وأطرب من تغريد ,....

قال ينبع البحر :
فلما سمع ذلك ينبع البحر انتفخت أوداجه , وتساقط العرق من فوق أحجابه , وقال لقد تحملنا ضرك وأذاك , وتجملنا بالصبر على عناك , قد خلطت جميع الحقائق , ووضعت نفسك بمأزق , كلمه حق أريد بها باطل , وقول يأباه كل عادل , لقد حكمت بشطط , وخلطت الصواب بالغلط , ...

أين عيونك لم يبق منها غير الأثر ؟ , ذلك إن صح في أمرها خبر , فدع عنك الباطل ولو كان مشهورا , وتمسك بالحق ولو كان مهجورا , فأجب فهذا هو الميدان , إن كنت تجيد منازلة الأقران , قم فلست أول من سقط , فأنت من بارز وأشترط , ...

ولله در من قال , ووصفني بأحسن المقال , من لحق بفضلي مجده ما فات , ومن خلف مثلي فما مات , ستتكسر دون مجدي أوهامك , وستتنكس تحت هامتي أعلامك , يا قليل الوفاء , ويا بخيل الرجاء , أين الثرى من الثريا , تالله لقد جئت شيئا فريا , ...

هيهات هيهات , يا لعظم الرزيات , صارت الأذناب رؤوس , والرؤوس للأذناب كؤوس , فأترك عنك الفخار , قبل أن نلبسك العار , ألم يئن لك الانقطاع ؟ , وأنت أهون البقاع ! , ...

فلما سمع ذلك ينبع النخل قال :
... ألقت مراسيك بوادي مضلل , فصرت بذلك جاحدا معطل , ألا تعلم أن صاحب النخيل , لا يقرن أسمه مع البخيل , فقد عرف النخل أهله , فأكرمهم من نبله ....

وإذا بكساء الليل قد أنسلخ , كأنه جلد أفعى قد أنفسخ , وإذا بالنور قد تبسم ضاحكاً , فنطوى الظلام إلى وكره غاضباً , فإذا به مولد صبح , والشمس على قدر رمح , كانها تطل بسراج وهاج , أو كمشكاة في قطعة زجاج , ...

تحتها تتساقط حبات الرطب , كأنها قطرات حلب السحب , هي خير زاد للعرب , إذا حل بهم الجدب , لا تتساقط بمرور الفصول أوراقها , ولا يتغير لون اخضرارها , قد كشفت لهم عن ساقها , وبجنات عدن حلت أعذاقها , ...
[poem=font="Simplified Arabic,6,blue,normal,normal" bkcolor="transparent" bkimage="" border="none,4," type=0 line=0 align=center use=ex num="0,black"]
قد أتينا إلى محل يسمى=ينبع النخل بين كل الأنام
ويسمى بالشام أيضا لماء=فيه جار وبهجة وانتظام[/poem]
... قد عارضتك بالموعظة علانية وإسرارا , فلم تزدك إلا إصرارا واستكبارا , فإليك هذا النباء , عن قائل هذا الهجاء ؟ :
[poem=font="Simplified Arabic,6,blue,normal,normal" bkcolor="transparent" bkimage="" border="none,4," type=0 line=0 align=center use=ex num="0,black"]
نزلنا بمرسى ينبع البحر مرة=على غير رأي ما علمنا طباعه
نقارع من جند البعوض كتائبا=وفرسان ناموس عدمنا قراعه [/poem]
ألا إن لي مجدا لو أسلت لعابة , فمزج ببحرك لذهب إجاجة , ولولا خشية المقام بنا أن يطول , لسطرنا معايبك على فصول .

قال ينبع البحر :
وأما مقابلتك بحري بنخيلك فلست بذلك على صواب , وسنبين لك أسباب ذلك بفصل خطاب , فأترك عنك تهديدي , وعليك بطريقتي وتقليدي , أحشفاً وسوء كيلة ? , أم حسداً وسوء غيلة ؟ , ...
فقام ينبع البحر ينادي , يسمع الحاضر والبادي :
[poem=font="Simplified Arabic,6,blue,normal,normal" bkcolor="transparent" bkimage="" border="none,4," type=0 line=0 align=center use=ex num="0,black"]
لأن في الخرء نفعا=للنخلِ والنخل يؤكل
وأنت مافيك نفع=ولا لنفعٍ تؤمل
فلست خراءا بخل=لكن صديد بحنظل
وإن هذين عندي=في الخلق منك لأمثل[/poem]
أولم يكفيك , من قال فيك ؟ :
[poem=font="Simplified Arabic,6,blue,normal,normal" bkcolor="transparent" bkimage="" border="none,4," type=0 line=0 align=center use=ex num="0,black"]
رأيتكم تبدون في الحربِ عدة=ولا يمنع الأسلاب منكم مقاتل
فأنتم كمثلِ النخلِ يظهر شوكَة=ولا يمنع الجرام ما هو حامل[/poem]

هذا والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم , وأستغفر الله العظيم , رب العرش الكريم , مما طغى به القلم , أو زل به الوهم .


,,, الرسالة القادمة هي الأخيرة وستكون فصل الختام لنا ,,,