وقال الإمام ابن القيم الجوزية في " هداية الحيارى " :
وذكر الحاكم وغيره : أن بني النضير لما أجلوا من المدينة أقبل عمرو بن سعد فاطاف بمنازلهم فرأى خرابها , ففكر ثم رجع إلى بني قريظة فوجدهم في الكنيسة فنفخ في بوقهم فاجتمعوا , فقال الزبير بن باطا : يا أبا سعيد أين كنت منذ اليوم فلم نرك وكان لا يفارق الكنيسة وكان يتأله في اليهودية ؟؟ , قال : رأيت اليوم عبرا أعتبرنا بها ! , رأيت إخواننا قد جلوا بعد ذلك العز والجلد والشرف الفاضل والعقل البارع , تركوا أموالهم وملكها غيرهم , وخرجوا خروج ذل , ولا والتوراة : ما سلط هذا على قوم قط لله بهم حاجة , وقد أوقع قبل ذلك بابن الاشرف في عزة بنيانه في بيته آمنا , وأوقع بابن سنينة سيدهم , وأوقع ببني قينقاع فأجلاهم وهم جل اليهود , وكانوا أهل عدة وسلاح ونجدة فحصرهم النبي عليه السلام فلم يخرج إنسان منهم رأسه حتى سباهم , فكلم فيهم فتركهم على أن أجلاهم من يثرب , يا قوم : قد رأيتم ما رأيتم فأطيعوني , وتعالوا نتبع محمد فوالله أنكم لتعلمون أنه نبي وقد بشرنا به وبأمره ابن الهيبان وأبو عمرو بن حواس وهما أعلم اليهود ( جاء من بيت المقدس يتوكفان قدومه وأمرانا بإتباعه وأمرانا أن نقرئه منهما السلام ) , ثم ماتا على دينهما ودفناهما بحرتنا , فاسكت القوم فلم يتكلم منهم متكلم !! , فأعاد هذا الكلام ونحوه وخوفهم بالحرب والسباء والجلاء , فقال الزبير بن باطا : ( قد والتوراة : قرأت صفته في كتاب التوراة التي أنزلت على موسى ليس في المثاني التي أحدثنا ) , فقال له كعب بن أسد : ما يمنعك يا أبا عبد الرحمن من إتباعه ؟؟ , قال : أنت !! , قال : ولم فوالتوراة : ما حلت بينك وبينه قط ؟؟ , قال الزبير : بل أنت صاحب عهدنا وعقدنا فان أتبعته أتبعناه وإن أبيت أبينا , فاقبل عمرو بن سعد على كعب فذكر ما تقاولا في ذلك , إلى أن قال كعب : ما عندي في ذلك إلا ما قلت , ما تطيب نفسي أن أصير تابعا ! .
وهذا المانع هو الذي منع فرعون من إتباع موسى , فانه لما تبين له الهدى عزم على إتباع موسى عليه السلام , فقال له وزيره هامان : بينا أنت إله تعبد تصبح تعبد ربا غيرك !, قال : صدقت .

" قلت " ابن الهيبان هذا أسمه عبد الله بن الهيبان , وهذا الأثر رواه البيهقي في دلائل النبوة , وأبو نعيم في دلائل النبوة , والواقدي في المغازي , وابن كثير في البداية والنهاية .

وقال السيوطي في " الخصائص الكبرى " :
وأخرج الطيالسي , والبيهقي , وأبو نعيم , عن سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل , أن زيد بن عمرو بن نفيل , وورقة بن نوفل , خرجا يلتمسان الدين حتى انتهيا إلى راهب بالموصل , فقال لزيد : من أين أقبلت ؟؟ , قال : من بنية إبراهيم عليه السلام , قال : وما تلتمس ؟؟ , قال : ألتمس الدين , قال : أرجع فإنه يوشك أن يظهر الذي تطلب في أرضك .

" قلت " ذكره ابن القيم في هداية الحيارى وعزاه للطبراني , وقال البوصيري في " إتحاف الخيرة " : هذا إسناد رجاله ثقات نفيل وهشام ذكرهما ابن حبان في الثقات , والباقي على شرط مسلم .

وقال السيوطي في " الخصائص الكبرى " :
وأخرج ابن سعد , وأبو نعيم , وابن عساكر , عن أبي نملة قال : كانت يهود بني قريظة يدرسون ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم في كتبهم ( ويعلمونه الولدان بصفته وأسمه ومهاجره إلينا بالمدينة ) , فلما ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم حسدوا وبغوا وأنكروا .

وقال السيوطي في " الخصائص الكبرى " :
وأخرج أبو نعيم , عن عبد الله بن سلام قال : لم يمت تبع حتى صدق بالنبي صلى الله عليه وسلم لما كان يهود يثرب يخبرونه .

" قلت " هذا الأمر ثابت بلا خلاف , بل إن منشأ اليهودية في اليمن بسبب ما حدث بين التبع ويهود يثرب عندما كان ينوي غزوها وتخريبها وقتل اليهود الذين كانوا فيها , فخرج إليه الأحبار وأخبروه بأن هذه المدينة هي مهاجر نبي آخر الزمان وأنه لا يحل له تخريبها , فعدل عن رأيه وحفر فيها الأبار وزرع الأشجار ثم أخذ معه بعض الأحبار إلى اليمن فكان ذلك منشأ دخول اليهودية إلى اليمن , وهذا المبحث طويل ليس هذا محل ذكره .

وقال السيوطي في " الخصائص الكبرى " :
وأخرج أبو نعيم , عن سعد بن ثابت قال : كان أحبار يهود بني قريظة والنضير يذكرون صفة النبي صلى الله عليه وسلم , فلما طلع الكوكب الأحمر أخبروا أنه نبي وأنه لا نبي بعده ( أسمه أحمد مهاجرة إلى يثرب ) , فلما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة ونزلها أنكروا وبغوا وحسدوا .

" قلت " قوله رواه أبو نعيم يقصد به كتابه دلائل النبوة , ورواه أبو نعيم أيضا من طريق أخر عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه , وكذلك رواه ابن سعد في الطبقات , وروي من طريق آخر كما عند أبي نعيم عن أبي سعيد الخدري وفيه : ( فقال الزبير بن باطا : قد طلع الكوكب الأحمر الذي لم يطل إلا لخروج نبي وظهوره ، ولم يبق من الأنبياء أحد إلا أحمد وهذه مهاجره ) .

وقال السيوطي في " الخصائص الكبرى " :
وأخرج ابن سعد , من طريق عبد الحميد بن جعفر , عن أبيه قال : كان الزبير بن باطا وكان أعلم اليهود , يقول : إني وجدت سفرا كان أبي كتمه علي , فيه ذكر أحمد نبي ( يخرج بأرض القرظ ) صفته كذا وكذا , فتحدث به الزبير بعد أبيه والنبي صلى الله عليه وسلم لم يبعث , فما هو إلا أن سمع بالنبي صلى الله عليه وسلم قد خرج بمكة , عمد إلى ذلك السفر فمحاه وكتم شأن النبي صلى الله عليه وسلم ؟؟ , وقال : ليس به !! .

" قلت "
روى أثر قريب منه الواقدي في المغازي , وابن عساكر في تاريخ دمشق وفيه قصة وفيها يقول أحد الروم من النصارى : ( إني قرأت الإنجيل فأجد صفة النبي صلى الله عليه وسلم بعينه فكنت أراه يخرج بالشام فأراه قد خرج بأرض القرظ فأنا أؤمن به وأصدقه ) .

روى الحاكم في " المستدرك على الصحيحين " :

حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب , ثنا أحمد بن عبد الجبار , ثنا يونس بن بكير , حدثني محمد بن إسحاق , حدثني صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف , عن يحيى بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أسعد بن زرارة , حدثني الثبت من رجال قومي , عن حسان بن ثابت قال : ( والله إني لغلام يفعة بن سبع أو ثمان سنين أعقل ما سمعت , إذ سمعت يهوديا وهو على أطمة يثرب يصرخ يا معشر اليهود ! , فلما أجتمعوا , قالوا : ويلك ما لك ؟؟ , فقال : ( قد طلع نجم الذي يبعث الليلة ) .

" قلت " ورواه ابن إسحاق في السيرة النبوية , ورواه القزويني في أخبار قزوين , والبيهقي في دلائل النبوة , وأبو نعيم في دلائل النبوة , وابن الجوزي في المنتظم , والأصبهاني في الأغاني , وابن عساكر في تاريخه , ويروي أحدهم أنه قد وجد في كتب الأمم السابقة دلائل على إستدلالهم بالنجوم على بعثة نبي آخر الزمان نبينا محمد صلى الله عليه وسلم , وروى أنه قد أستدل بذلك المنجمون وكان يستعملهم كسرى وهرقل , وقد روى الطبري في تاريخه أن كسرى كان يستعمل المنجمون .

سبب تسمية اليهود بهذا الأسم ؟؟ :
قيل أن أسم اليهودية مشتق من ( يهوذا ) بن يعقوب عليه السلام , وقيل سموا بذلك حكاية عن قولهم كما في قوله تعالى في سورة الأعراف : ( إنا هدنا إليك ) .

حكم قول ( يثرب ) للمدينة النبوية شرفها الله ؟؟ :
أولا : هذا الاسم منهي عنه ولا يجوز ذكره لأنه من التثريب وهو اللوم قال تعالى في سورة يوسف :
قال تعالى : ( قال لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين )
وقال تعالى : ( وإذ قالت طائفة منهم يا أهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا ويستأذن فريق منهم النبي يقولون إن بيوتنا عورة وما هي بعورة إن يريدون إلا فرارا )

وقد أخرج الإمام أحمد في مسنده , وابن أبي حاتم في تفسيره , وغيرهم عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من سمى المدينة يثرب فليستغفر الله هي طابة هي طابة هي طابة ) .

" قلت " وكذلك زيادة كلمة ( المنورة ) على المدينة لا تستحب ولم ترد في الحديث النبوي ولم يكن يعرفها الصحابة ولا سلف الأمة المتقدمون وقد نبه على ذلك الشيخ العلامة ابن عثيمين رحمة الله في " مجموع الفتاوي " ولم يستحبها , وحكي أن بعض السلف رأى تحريم تسميتها ( بيثرب ) , بل إن الإمام الطيبي تشدد في النكير على من سماها بيثرب وتعقبه الحافظ ابن حجر , ثم إنه لم يرد في القرآن العظيم أسم ( يثرب ) إلا في آية واحدة وهو حكاية عن قول المنافقين عنها كما قال تعالى : ( وإذ قالت طائفة منهم يا أهل يثرب ) , فهذا القول هو قول المنافقين فقد سموها بيثرب , وهو مخالفة لما في كتاب الله وسنة نبية من أسماء المدينة شرفها الله وكرمها , حيث أن هذا الأسم مشتق من التثريب الذي هو التوبيخ والملامة والمدينة دار المصطفى منزهة عن ذلك .


في ختام هذه المسألة يتبين الأتي :

في الأحاديث والأثار التي سقناها بإختصار ظهر الدليل واضح وجلي من أن اليهود إنما أختاروا السكن في دار المصطفى المسماة قديما ( يثرب ) من دون باقي مناطق الجزيرة العربية لعلمهم وتيقنهم أنه سوف يبعث من هذه الأرض نبي في آخر الزمان , وذلك مما وجدوه في كتبهم وهي التوراة الموجودة بين أيديهم في ذلك الوقت بصفتة ومكان مبعثه وأنه يبعث من أرض ذات نخيل تكثر فيها العيون ذات سبخه ... ومما ورد لدينا أنه كان في كتبهم أنه نبي يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة وأنه على ظهره ختم النبوة كما في قصة إسلام سلمان الفارسي رضي الله عنه وكذلك من صفاته عندهم أنه قبل ظهوره يظهر نجم أو كوكب في السماء وصرح في بعض الأحاديث بأن لونه أحمر , وأن مولده في يوم الأثنين ... وقد أخبر القرآن الكريم بأنهم كانوا يعرفون صفته ونعته وبأنه سوف يبعث نبي في آخر الزمان ولكن بعدما بعث محمد صلى الله عليه وسلم رفضوا قبول رسالته ليس لعدم إيمانهم بنبؤته ورسالته فهم يعرفون ذلك كما قال تعالى : ( يعرفونه كما يعرفون أبنائهم ) , إنما ما دفعهم إلى عدم إتباعه هو مرض القلوب وهو الحسدا والبغض لأنهم كانوا يظنون أنه سوف يبعث ذلك النبي من جنسهم وقومهم ولم يظنوا أن النبوة ستخرج من بني إسرائيل فأكثر الأنبياء السابقين كانوا من بني إسرائيل ولكن ( يأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره المشركون ) , ولذلك تجدهم أخبث الأمم وأكثرها مرضا في القلوب هم اليهود لعنهم الله فقد كانوا مقرين بنبوته صلى الله عليه وسلم ويعرفونها حق المعرفة ويقرون بداخل قلوبهم أنه نبي ورسول مرسل من الله ولكن رفضوها حسدا وبغضا كما أخبر بذلك التنزيل الحكيم , ولا يستغرب ذلك من هذا الجنس من البشر فهم يزعمون أنهم ( شعب الله المختار) فسبحان الله وبفعلهم هذا كأني بهم قد شابهوا الشيطان بفعله مع المولى عزوجل فهم أولياء بعضهم لبعض حيث أن الشيطان الرجيم لم يمنعه من الإنقياد والتسليم للمولى عزوجل إلا التكبر والغرور فقائدهم إبليس اللعين أبى وعصى الله ورفض طاعته استكبارا وعنادا عندما قال له المولى سبحانه أسجد لأدم فقال : ( أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين ) ,
فأنظر إلى هذا التطابق العجيب في عملة الشر هذه وأعلم أن كل ما في الأرض من شرور إنما مصدرها هذه العملة اللعينة ... ومن الأدلة على معرفتهم بنبوئة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أن أحد كبار علمائهم , كما نقل ذلك الإمام ابن القيم في كتابه " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى " خلال مناظرته مع هذا الحبر اليهودي فيقول اليهودي بعدما وجه إليه الإمام ابن القيم سؤال هل أنتم مقرين بنبوة محمد وأنه مبعوث من الله ؟؟ , فقال اليهودي : ( هو نبي صادق من أتبعه أفلح وسعد , قلت : فما لك لا تدخل في دينه ؟؟ , قال : إنما بعث إلى الأميين الذي لا كتاب لهم وأما نحن فعندنا كتاب نتبعه !! ) ,

وبعد كل هذه النقول التي ذكرناها عن سبب تواجد اليهود في بلاد العرب وبالحجاز خاصتا ثبت بما لا يدع مجالا للشك بأن سبب هجرة بني إسرائيل إلى هذه البلاد إنما وراءة دوافع وأسباب دينية وأماكن تواجدهم التي أستوطنوها لأكثر من سبعة قرون على فرض أنهم جاءوا في زمن موسى عليه السلام هي دليل قوي يثبت ما ذهبنا إليه من سبب قدومهم لهذه البلاد , هذا ما تيسر لنا إيراده سريعا في هذه الأسطر والحمد لله رب العالمين .


,,, والباب القادم ما أخبر به كتاب الله من معرفة اليهود بنبوئة محمد صلى الله عليه وسلم ,,,