وقال شيخنا مشهور آل سلمان : قال القزويني في "عجائب المخلوقات " :
رأى الغول جماعة من الصحابة , منهم عمر بن الخطاب , حين سافر إلى الشام قبل الإسلام , فضربها بالسيف .

" قلت " قصة قتل عمر بن الخطاب للغول حدثت في الجاهلية قبل الإسلام رواها ابن عساكر في تاريخه " تاريخ مدينة دمشق " .

وقال شيخنا سلمان في رسالته ص 108 باب : سبب كذب العرب بقولهم بتغول الغيلان ؟؟ نقل الجاحظ في كتابه " الحيوان " :
أصل هذا الأمر وابتداؤه : أن القوم لما نزلوا بلاد الوحش عملت فيهم الوحشة ومن انفرد وطال مقامه في البلاد والخلاء والبعد من الأنس استوحش ولا سيما مع قلة الاشتغال والمذكرين
وخبرني الأعمش أنه فكر في مسألة فأنكر أهله عقله حتى حموه وداووه , وقد عرض ذلك لكثير من الهند .
وإذا استوحش الإنسان تمثل له الشيء الصغير في صورة الكبير وارتاب وتفرق ذهنه وانتقضت أخلاطه فرأى ما لا يرى وسمع ما لا يسمع وتوهم على الشيء اليسير الحقير أنه عظيم جليل ثم جعلوا ما تصور لهم من ذلك شعرا تناشدوه وأحاديث توارثوها فازدادوا بذلك إيماناً ونشأ عليه الناشئ وربي به الطفل فصار أحدهم حين يتوسط الفيافي وتشتمل عليه الغيظان في الليالي الحنادس فعند أول وحشة وفزعة وعند صياح بوم ومجاوبة صدى وقد رأى كل باطل وتوهم كل زور فعند ذلك يقول رأيت الغيلان وكلمت السعلاة !! , ثم يتجاوز ذلك إلى أن يقول قتلتها !! , ثم يتجاوز ذلك إلى أن يقول رافقتها !! , ثم يتجاوز ذلك إلى أن يقول تزوجتها !! , ومما زادهم في هذا الباب وأغراهم به ومد لهم فيه أنهم ليس يلقون بهذه الأشعار وبهذه الأخبار إلا أعرابياً مثلهم وإلا عاميا لم يأخذ نفسه قط بتمييز ما يستوجب التكذيب والتصديق أو الشك ولم يسلك سبيل التوقف والتثبت في هذه الأجناس قط وإما أن يلقوا رواية أو صاحب خبر فالراوية كلما كان الأعرابي أكذب في شعره كان أطرف عنده وصارت روايته أغلب ومضاحيك حديثه أكثر فلذلك صار بعضهم يدعي رؤية الغول أو قتلها أو مرافقتها أو تزويجها وآخر يزعم أنه رافق في مفازةٍ نمرا فكان يطاعمه ويؤاكله . انتهى بتصرف .

وقال شيخنا مشهور في باب : " تعريف الغول وأسماؤه وجنسه " بعد أن أورد عدة أحاديث في الباب :
وفي هذه الأحاديث من الفوائد : أنه يمكن رؤية الجن والغيلان , ولكن على غير صورهم التي خلقوا عليها , وأن الغيلان كثيرة التغير والتشكل , وأنها سحرة الجن , كما قال عمر بن الخطاب : ( إن أحدا لا يستطيع أن يتحول عن صورته التي خلقه الله عليها , ولكن لهم سحرة كسحرتكم , فإذا رأيتم ذلك فأذنوا )

وقال شيخنا في بعد أن أورد حديث ( لا غول ) مع تخريجه فقال :
أختلف العلماء في معنى قوله صلى الله عليه وسلم : ( لا غول ) على ثلاثة أقوال :
الأول : أن الغول شي يخوف به , ولا وجود له كما قال الشاعر :
[poem=font="Simplified Arabic,6,blue,normal,normal" bkcolor="transparent" bkimage="" border="none,4,blue" type=0 line=0 align=center use=ex num="0,black"]
لما رأيت بني الزمان وما بهم=خل وفي للشدائد اصطفي
أيقنت أن المستحيل ثلاثة=الغول والعنقاء والخل الوافي[/poem]

وقال عبد الرحمن حبنكة الميداني في " ضوابط المعرفة وأصول الاستدلال والمناظرة " :
ونلاحظ أيضا أن بعض ما هو كلي في التصور , قد لا يوجد منه في الواقع أي فرد مثل : عنقاء ومثل ( غول ) ومثل معدوم . انتهى , ونسب الدميري مقوله : الغول شي يخوف به لا وجود له .

الثاني : أن الغول كان موجودا ثم رفعة الله سبحانه وتعالى :
وإلى هذا ذهب الطحاوي فقال : بعد أن أورد حديث أبي أيوب السابق في كتابه : " مشكل الآثار "
ففي هذا الحديث – أي حديث أبي أيوب – إثبات رسول الله صلى الله عليه وسلم الغول , وقد ذكرنا في الباب الذي قبل هذا عنه انه قال : ( لا غول ) ففي ذلك نفيه للغول , فقال قائل : قد يكون هذا على التضاد ؟!! ,
قيل له : ليس ذلك بحمد الله على التضاد , إذ يحتمل أن يكون الغول قد كان على ما في حديث أيوب ثم رفعه الله تعالى عن عبادة على ما في حديث جابر , وذلك أولى ما حملت عليه الآثار المروية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا , أو فيما أشبهه , ما وجد السبيل على ذلك .
وقال ابن ملك في " مبارق الأزهار " في معنى قوله ( لا غول ) :
فإن قيل ما معنى النفي وقد قال عليه السلام : ( إذا تغولت الغيلان فعليكم بالأذان ) ؟؟
أجيب : بأنه كان ذلك في الابتداء ثم دفعة الله عن عبادة .

( وقال شيخنا عقب ذلك معلقا ) : وليس في حديث رسول الله نص على ذلك , وإنما معنى محتمل , ويؤيده أثر ابن عباس رضي الله عنهما .

القول الثالث : وهو المختار :
وذهب جمهور العلماء : أن قوله صلى الله عليه وسلم : ( لا غول ) ليس معناه نفي الغول عينا , وإبطالها كونا , وإنما فيه إبطال ما يتحدثون عنها : من تغولها , واختلاف تلونها في الصور المختلفة , وإضلالها الناس عن الطريق , وسائر ما يحكون عنها , وسنفصل ذلك في الفصل القادم بعنوان " أقاويل العرب وكذبها في الغول "
ويؤكد ما ذكرنا أمور :
أولا : لم يثبت شرعا ولا عقلا ولا أختبارا , أن الغيلان تأكل الناس , ولا أنها تظهر لهم في الفيافي والقفار , كما كانت تزعم العرب وغير العرب , في طور الجهل والخرافات .

ثانيا : إن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر نفي الغول مع نفي الهامة والصفر والطيرة والعدوى , مع أن النبي صلى الله عليه وسلم أثبت العدوى وأمر بالفرار من المجذوم !! , وذلك محمول على ما كانت تزعمة الجاهلية من إضافة الفعل إلى غير الله تعالى , وإن هذه الأمور تعدي بطبعها , وإلا فقد يجعل الله بمشيئته مخالطة الصحيح من به شيء من الأمراض سببا لحدوث ذلك
ولهذا قال : ( فر من المجذوم كما تفر من الأسد ) , وقال : ( لا يورد ممرض على مصح ) , وقال في الطاعون : ( من سمع به في أرض فلا يقدم عليه )
وكل ذلك بتقدير الله تعالى , وهذا أحسن ما قيل فيه , وبه قال البيهقي وتبعه ابن الصلاح , وابن القيم , وابن رجب , وابن مفلح , وغيرهم كما في " فتح المجيد " ( لسليمان بن عبد الله بن عبد الوهاب النجدي ) .

وروى أبو الشيخ في " العظمة " بإسناده فقال :
حدثنا أحمد بن محمد بن شريح ، حدثنا محمد بن رافع ، حدثنا إسماعيل , قال : حدثني عبد الصمد , قال : سمعت وهبا رحمه الله تعالى يقول : ( وسئل عن الجن ما هم ؟؟ , وهل يأكلون ويشربون ويموتون ويتناكحون ؟؟ , قال : هم أجناس , أما خالص الجن الذين هم خالص الجن فهم ريح لا يأكلون ولا يشربون ولا يموتون ولا يتوالدون ، ومنهم أجناس يأكلون ويشربون ويتناكحون ويموتون , وهي هذه السعالي ، والغول وأشباه ذلك ) .

" قلت " ورواه الطبري في تفسيره عن وهب بن منبه عند تفسير قوله تعالى : ( والجأن خلقناه من قبل من نار السموم ) , ورواه أيضا ابن عبد البر عن وهب بن منبه في " التمهيد " .

وقال الباحث جواد علي في " المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام " عن قصص السعالي في الجاهلية :
وقصص الغول هي من أشهر القصص الجاهلي المذكور عن الجن ، ومع خطر الغول وشراسته في رأي الجاهليين ، ورد في قصصهم تزوج رجال من الإنس منهم , وورد أن الشاعر تأبط شرا تعرض بغيلة , فلما امتنعت عليه جللها بالسيف فقتلها , وهم يروون أن من الممكن قتل الغول بضربة سيف , أما إذا ضربت مرة ثانية فإنها تعيش ولو من ألف ضربة !! , وهكذا ترى قصصهم يروي تغلب الإنسان على الغيلة في بعض الأحيان , وأكثر قصصهم عن الغول منسوب إلى تأبط شرا وللقب الذي يحمله هذا الشاعر أو حمل عليه دخل ، ولا شك في ظهور هذا القصص
ويرى علماء اللغة أن من معاني ( الغول ) التلون والظهور بصور مختلفة والاغتيال , ويروون أن الغول أنثى وأما ذكرها فسمى ( قطربا ) ولصفة التلون والظهور بصور مختلفة سموا الغول ( حيتمورا ) وهو كل شيء لا يدوم على حالة واحدة ، ويضمحل كالسراب , وذكر في وصف غدرها بالإنسان أنها إذا أرادت أن تضل إنسانا وقدت له نارا فقصدها فتدنوا منه وتتمثل له في صور مختلفة فتهلكه روعا ، وان خلقتها خلقة إنسان ، ورجلاها رجلا حمار .
وذكروا أن الغول هو أسم لكل شيء من الجن يعرض للمسافر ، ويتلون في ضروب الصور والثياب ، ذكرا كان أو أنثى ، وقد قال كعب بن زهير الشاعر الصحابي الذي مدح الرسول في وصف تلون الغول :
[poem=font="Simplified Arabic,6,blue,normal,normal" bkcolor="transparent" bkimage="" border="none,4,blue" type=0 line=0 align=center use=ex num="0,black"]
فما تدوم على حال تكون بها=كما تلون في أثوابها الغول[/poem]
وفي تلون الغول يقول عباس بن مرداس السلمي :
[poem=font="Simplified Arabic,6,blue,normal,normal" bkcolor="transparent" bkimage="" border="none,4,blue" type=0 line=0 align=center use=ex num="0,black"]
أصابت العام رعلاً غول قومهم=وسط البيوت ولون الغول ألوان[/poem]
فالغول تتحول في أي صورة شاءت، وتتمثل في صور مختلفة إلا رجليها ، فلا بد من أن تكونا رجلي حمار .
وذكر أن ( الغول ) ( السعلاة ) وهما مترادفان , وذكر أن الغيلان جنس من الجن والشياطين ، والعرب تسمي الحية الغول , وقيل : أن أنياب أغوال الواردة في شعر لامرئ القيس الحيات, وقيل الشياطين :
وإلى الشاعر لحبيد بن أبوب شاعر بني العنبر يعود قسط كببر من القصص الوارد عن ( الغول والسعلاة ) فقد كان يخبر في شعره أنه يرافق الغول والسعلاة , ويبايت الذئاب والأفاعي ويؤاكل الظباء والوحش , وقد أورد أهل الأخبار شيئا من شعره في هذا الباب , وذكر بعض علماء اللغة أن الغول الذكر من الجن، والسعلاة الأنثى , والغول ساحرة الجن ، وتقول إن الغول يتراءى في الفلاة للناس فتضلهم عن الطريق .
( وأما السعالي ) وواحدتها السعلاة ، فذكر أنها سحرة الجن ، وقيل : إن الغيلان جنس منها ، وان الغيلان هي إناث الشياطين ، وأنها ( أي السعالي ) أخبث الغيلان وأكثر وجودها في الغياض ، وأنها إذا ظفرت بإنسان ترقصه وتلعب به كما يلعب القط بالفأر ، وأن الذئب يأكل السعلاة , وذكر أن ( السعلاة ) أسم الواحدة من نساء الجن إذا لم تتغول لتفتن السفار , وهم إذا رأوا المرأة حديدة الطرف والذهن سريعة الحركة مممشوقة ممحصة ، قالوا : ( سعلاة ) , وقال الأعشى :
[poem=font="Simplified Arabic,6,blue,normal,normal" bkcolor="transparent" bkimage="" border="none,4,blue" type=0 line=0 align=center use=ex num="0,black"]
ورجال قتلى بجنبي أريك=ونساء كأنهن السعالى[/poem]
وذكر أن في الجن سحرة كسحرة الإنس لهم تلبيس وتخييل وهم السعالى , وهم أقدر من الغيلان في هذا الباب .

" قلت " نحن في إيمان وتصديق بكتاب الله وسنة رسوله ونؤمن بوجود الجن والشياطين وأن الله سبحانه وتعالى قد ذكرها في كتابه وسنة نبيه بل وفي التنزيل الحكيم سورة الجن ونؤمن أنهم مكلفون بجميع التكاليف الشرعية كما قال تعالى : ( وما خلقت الجن والأنس إلا ليعبدون ) , فإن كذبوا وعاندوا فجزائهم : ( ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس ) , ( ولكن حق القول مني لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين ) , ( وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين ) , وأن نبينا محمد صلى الله عليه وسلم مبعوث إلى الثقلين الإنس والجن كما قال تعالى : ( يا معشر الجن والإنس ) فهذا نداء إلى الجن والإنس بل وأسلم عدد من الجن في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وفي كتب الصحابة أسماء بعض ممن أسلم من الجن كما عند ابن عبد البر في الاستيعاب وابن حجر في الإصابة , وأهل الجاهلية في كذب وغرور المتقدمون منهم والمتأخرون وبيت الأعشى هو :
[poem=font="Simplified Arabic,6,blue,normal,normal" bkcolor="transparent" bkimage="" border="none,4,blue" type=0 line=0 align=center use=ex num="0,black"]
وشيوخ حربي بشطي أريك=ونساء كأنهن السعالي [/poem]

وقال أبي البلاد الطهوي :
[poem=font="Simplified Arabic,6,blue,normal,normal" bkcolor="transparent" bkimage="" border="none,4,blue" type=0 line=0 align=center use=ex num="0,black"]
لهان على جهينة مـا ألاقـى=من الروعات يوم رحى بطان
لقيت الغول تسري في ظـلامٍ=بسهب كالعباية صحصحـان
فقلت لها كلانا نقض أرض=أخو سفر فصدي عن مكاني
فصدت وانتحيت لها بعضـب=حسام غير مؤتشب يمـانـي
فقد سراتها والبرك مـنـهـا=فخرت لليدين ولـلـجـران
فقالت زد فقلت رويدا إنـي=على أمثالها ثبت الـجـنـان
شددت عقالها وحططت عنها=لأنظر غدوة ماذا دهـانـي
إذا عينان في وجـه قـبـيح=كوجه الهر مشقوق اللسـان
ورجلا مخدج ولسان كـلـب=وجلد من فـراء أو شـنـان[/poem]

" قلت " رحى بطان هذا موضع بالحجاز كانوا يزعمون أن السعالي والغيلان , تكثر فيه , وبطحان واد بمدينة المصطفى طيبة الطيبة شرفها الله وأكرمها .
وقال عامر بن الحارث النمري المعروف ( بجران العود ) :
[poem=font="Simplified Arabic,6,blue,normal,normal" bkcolor="transparent" bkimage="" border="none,4,darkblue" type=0 line=0 align=center use=ex num="0,black"]
هما الغول والسعلاة حلقى منهما=مخدش ما بين التراقي مجرح [/poem]

وروى مسلم في صحيحة وغيره والسند لمسلم قال :حدثنا أحمد بن يونس , حدثنا زهير , حدثنا أبو الزبير , عن جابر , ح , وحدثنا يحيى بن يحيى . أخبرنا أبو خيثمة , عن أبي الزبير , عن جابر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا عدوى , ولا طيرة , ولا غول ) .

" قلت " كثير ممن فسر هذا الحديث من العلماء السابقين قالوا : في معنى قوله صلى الله عليه وسلم : ( لا غول ) , أي : أنها لا تضله , والذي أراه والعلم عند الله عكس ذلك تماما فقوله صلى الله عليه وسلم ( لا غول ) ليس المراد منه نفي إضلالها لبني الإنسان إنما مراده صلى الله عليه وسلم بقوله ذاك أي أنها : ( لا تضره أو تأكله ) كما كانت تزعم العرب في الجاهلية وفي الإسلام كما هو الحال عند أهل عند البادية في السابق واليوم , وهذا النفي بقوله : ( لا غول ) , فيه تكذيب لما يزعمه أهل البادية في الجاهلية والإسلام من أنها قد تأكل الإنسان أو أنها تضره ولذلك كانوا في الجاهلية يستعيذون إذا نزلوا بالأودية فيقول أحدهم : ( أعوذ بعظيم هذا الوادي !! ) , وأما القول بأنها تضله فالغول والشياطين قد ثبت أنها تضل بني الإنسان حتى يهلك , ودليلنا على ذلك قوله تعالى : ( كالذي استهوته الشياطين في الأرض حيران ) قال ابن عباس رضي الله عنه : " هم الغيلان " أنظر تفسير هذه الآية عند ابن أبي حاتم , والطبري في تفسيرهما وغيرهم ,

وقد حدثني بمن أثق به وهو ممن تجاوز التسعين عاما قال حدثني جدي وهو ثقة أنه رأى العسلاة أو ( السعلية ) رأي العين , وهو في إحدى أسفاره راكبا على جمله وقد تشبهت له وأرادت أن تضله عن طريقة , ولكنه كان رجلا ثابت الجنان قوي البنيان فلم يلتف إليها وسار في طريقة غير أبه بما تجلبه له من أصوات وجلبة حتى قطع ذلك الموضع الذي وجدها فيه فذهبت ولم تضره بشي بإذن الله , وقال عقب ذلك وأسر لي جدي بعد ذلك يصف السعلاة بقوله بالعامية : ( تراها ظل ) .

" يقول ابن غنيم "
أنظر إلى دقة وصف ذلك الرجل العامي البدوي البسيط الذي لا يجيد قرأه ولا كتابه إلى وصفها لحفيدة بقوله له : ( إنها ظل ) فقد صدق بذلك الوصف فالجن هم أنواع كثيرة ولكن أغلبهم بصفة عامة والسعالي بصفة خاصة ليس لها أجسام : ( إنما هي صور ) لا يتشبه أحدهم بصورته الحقيقية أبدا !! , ومما يستغرب أن ذلك البدوي لم يقرأ عن أخبار السعلاة في الكتب , بل جل أهل ذلك الزمان لا يحسنون قرأه ولا كتابه فمن أين له ذلك الوصف الدقيق ؟؟ ثم إنه قد خالف إجماع أهل زمانه من أهل البادية في ذلك الوقت فكان المشهور والمعروف بينهم أن السعالي أو ( السعلية ) أنها إنسية توحشت فذهبت في الفيافي والقفار حتى طالت شعورها وأظافرها حتى غدت كالحيوان الممسوخ وأنها تأكل البشر وبني الإنسان , فلماذا خالف أهل زمانه بقوله : ( إنها ظل ) ؟؟ , فلا جواب إلا لأنه رآها رأي العين وعرف ما هي وكيف صفتها ولقد صدق فليس الخبر كالمعاينة .

" قلت "
ودليلنا على أن قوله صلى الله عليه وسلم : ( لا غول ) ليس المقصود منها ما فهمه أكثر شراح الحديث من أنه صلى الله عليه وسلم نفى بقوله هذا إضلالها للسائرين والمسافرين ,
وقد ظفرت بموافقة ابن عبد البر لكلامي كما في كتابه " بهجة المجالس وأنس الجالس " فقال :
فإن العرب تذكر أن الغيلان توقد النيران بالليل للعب والتخييل وإضلال أبناء السبيل قلت : والدليل على أن الشياطين تضل الناس في الطريق وتحيدهم عن سبيلهم ، قوله الله تعالى : ( كالذي أستهوته الشياطين في الأرض حيران ) , ومن الدليل على صحة الغيلان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أنشده كعب بن زهير قصيدته اللامية التي يقول فيها :
[poem=font="Simplified Arabic,6,blue,normal,normal" bkcolor="transparent" bkimage="" border="none,4,darkblue" type=0 line=0 align=center use=ex num="0,black"]
كانت مواعيد عرقوب لها مثلا=وما مواعيده إلا الأبـاطـيل
فما تدوم على حال تكون بهـا=كما تلون في أثوابها الغول [/poem]

فلم ينكره .

وقال حافظ الحكمي في " معارج القبول " :
وأما قول من قال : إن المراد في الحديث نفي وجود الغيلان مطلقا فليس بشيء لأن ذلك مكابرة للأمور المشاهدة المعلومة بالضرورة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وقبله وبعده من إتيانهم وانصرافهم ومخاطبتهم وتشكلهم والله أعلم .

وظفرت بتفصيل جيد للحموي في " غمز عيون البصائر " حيث يرد على من أنكروا وجود الغول فقال :
إن المعتزلة والفلاسفة أنكروا وجود الغول وأهل الحق قالوا بوجوده وإنه مارد الجن يضل ابن آدم وقوله عليه السلام كما في صحيح مسلم : ( لا غول ) , أي : لا حكم للغول في الإضلال والإغواء وإنما هو من خلق الله تعالى لأنه عليه الصلاة والسلام ما بعث لبيان الحقائق ونفيها بل لبيان الأحكام .

وقال حافظ الحكمي في " معارج القبول " :
( وأما الغول ) فهي : واحد الغيلان , وهي من شر شياطين الجن وسحرتهم , والنفي لما كان يعتقده أهل الجاهلية فيهم من الضر والنفع , وكانوا يخافونهم خوفا شديدا ويستعيذون ببعضهم من بعض , كما قال تعالى عنهم : ( وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا ) , زاد الإنس الجن جرأة عليهم وشرا وطغيانا وزادتهم الجن إخافة وخبلا وكفرانا , وكان أحدهم إذا نزل واديا قال : أعوذ بسيد هذا الوادي من سفهائه , فيأتي الشيطان فيأخذ من مال هذا المستعيذ أو يروعه في نفسه ! , فيقول : يا صاحب الوادي جارك أو نحو ذلك , فيسمع مناديا ينادي ذلك المعتدي أن اتركه أو دعه أو ما أشبه ذلك فأبطل الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم ذلك ونفى أن يضروا أحدا إلا بإذن الله عز وجل وأبدلنا عن الاستعاذة بالمخلوقين الاستعاذة بجبار السموات والأرض رب الكون وخالقه ومالكه والهة وبأسمائه الحسنى وصفاته العليا وكلماته التامات التي لا يجاوزهن جبار ولا متكبر فقال الله تبارك وتعالى : ( وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين وأعوذ بك رب أن يحضرون ) , وقال تعالى : ( وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله ) , وقال تعالى : ( قل أعوذ برب الفلق ) , إلى آخر السورة , ( قل أعوذ برب الناس ) إلى آخر السورة وغيرها من الآيات .
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم في هاتين السورتين : ( ما سأل سائل بمثلها ولا استعاذ مستعيذ بمثلها ) .
وقال صلى الله عليه وسلم : ( من نزل منزلا فقال : أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق لم يضره شيء حتى يرحل من منزله ذلك ) , وهو في الصحيح وفي بعض الأحاديث : ( إذا تغولت الغيلان فبادروا بالأذان ) , وفي الحديث الصحيح :
( إن الشيطان إذا سمع النداء أدبر وله ضراط ) , وفي لفظ : ( حصاص ) وأحاديث الاستعاذة والأذكار في طرد الشيطان وغيره كثيرة مشهورة مسبورة في مواضعها من كتب السنة .
وأما قول من قال إن المراد في الحديث نفي وجود الغيلان مطلقا فليس بشيء ؟؟ , لأن ذلك مكابرة للأمور المشاهدة المعلومة بالضرورة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وقبله وبعده من إتيانهم وانصرافهم ومخاطبتهم وتشكلهم والله أعلم .

" قلت " هذا ما تيسر لنا إيراده وتهيأ إعداده بخصوص هذا الموضوع وإلا فالموضوع يحتاج لأكثر من ذلك ولكن مقصود رسالتنا يفرض علينا عدم الإطالة والإسهاب , وقد ألف في السعلاة عدد من العلماء قديما وحديثا الأول مؤلف في القرن السابع من الهجرة والأخر لأحد العلماء المعاصرين هذا والله أعلم .


,,, والباب القادم هو فصل الكلام في هل سكن اليهود ينبع قبل الإسلام ؟؟ ,,,