إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (59) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (60) فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ (61)

يقول تعالى: ( إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ ) في قدرة الله تعالى حيث خلقه من غير أب ( كَمَثَلِ آدَمَ ) فإن الله تعالى خلقه من غير أب ولا أم، بل ( خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ) والذي خلق آدم قادر على خلق عيسى بطريق الأولى والأحرى، وإن جاز ادعاء البنوة في عيسى بكونه مخلوقا من غير أب، فجواز ذلك في آدم بالطريق الأولى، ومعلوم بالاتفاق أن ذلك باطل، فدعواها في عيسى أشد بطلانا وأظهر فسادًا. ولكن الرب، عَزّ وجل، أراد أن يظهر قدرته لخلقه، حين خَلَق آدم لا من ذكر ولا من أنثى؛ وخلق حواء من ذكر بلا أنثى، وخلق عيسى من أنثى بلا ذكر كما خلق بقية البرية من ذكر وأنثى، ولهذا قال تعالى في سورة مريم: وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ [ مريم : 21 ].

وقال هاهنا: ( الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ ) أي: هذا القول هو الحق في عيسى، الذي لا محيد عنه ولا صحيح سواه، وماذا بعد الحق إلا الضلال.

ثم قال تعالى -آمرا رسوله صلى الله عليه وسلم أن يُبَاهِلَ مَنْ عَانَدَ الحق في أمر عيسى بعد ظهور البيانِ: ( فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ) أي: نحضرهم في حال المباهلة ( ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ ) أي: نلتعن ( فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ ) أي: منا أو منكم.

وكان سبب نـزول هذه المباهلة وما قبلها من أول السورة إلى هنا في وفد نجران، أن النصارى حين < 2-50 > قدموا فجعلوا يُحَاجّون في عيسى، ويزعمون فيه ما يزعمون من البنوة والإلهية، فأنـزل الله صَدْرَ هذه السورة رَدا عليهم، كما ذكره الإمام محمد بن إسحاق بن يَسَار وغيره.

قال ابن إسحاق في سيرته المشهورة وغيره: وقَدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد نصارى نَجْران، ستون راكبا، فيهم أربعة عَشرَ رجلا من أشرافهم يؤول إليهم أمرهم، وهم: العاقب، واسمه عبد المسيح، والسيد، وهو الأيْهَم، وأبو حارثة بن علقمة أخو بكر بن وائل، وأويس الحارث وزيد، وقيس، ويزيد، ونبيه، وخويلد، وعمرو، وخالد، وعبد الله، وَيُحَنَّس.

وأمْرُ هؤلاء يؤول إلى ثلاثة منهم، وهم: العاقب وكان أمير القوم وذا رأيهم وصاحب مشورتهم، والذي لا يصدرون إلا عن رأيه، والسيد وكان عالمهم وصاحب رَحْلهم ومُجتمعهم، وأبو حارثة بن علقمة وكان أسْقُفهم وحَبْرَهم وإمامهم وصاحب مدارسهم، وكان رجلا من العرب من بني بكر بن وائل، ولكنه تَنَصَّر، فعظمته الروم وملوكها وشرفوه، وبنوا له الكنائس وَمَوَّلُوه وأخْدَموه، لما يعلمونه من صلابته في دينهم. وقد كان يعرف أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وشأنه وصفته بما علمه من الكتب المتقدمة جيدا، ولكن احتمله جهله على الاستمرار في النصرانية لما يرى [من] تعظيمه فيها ووجاهته عند أهلها.

قال ابن إسحاق: وحدثني محمد بن جعفر بن الزبير، قال: قَدِموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة فدخلوا عليه مَسْجِدَه حين صلى العصر، عليهم ثياب الحبرَات: جُبَب وأرْدية، في جَمَال رجال بني الحارث بن كعب. قال: يقول بعض من رآهم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: ما رأينا بعدهم وفدا مثلهم. وقد حانت صلاتهم، فقاموا في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلون، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: دَعُوهم فصلّوا إلى المشرق.

قال: فكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم أبو حارثة بن علقمة، والعاقب عبد المسيح، أو السيّد الأيهم، وهم من النصرانية على دين الملك، مع اختلاف أمرهم، يقولون: هو الله، ويقولون: هو ولد الله، ويقولون: هو ثالث ثلاثة. تعالى الله [عن ذلك علوًا كبيرا] وكذلك قول النصرانية، فهم يحتجون في قولهم: "هو الله" بأنه كان يحيي الموتى، ويُبْرئُ الأسقامَ، ويخبر بالغيوب، ويخلق من الطين كهيئة الطير، ثم ينفخ فيه فيكون طيرا وذلك كله بأمر الله، وليجعله آية للناس.

ويحتجون في قولهم بأنه ابن الله، يقولون: لم يكن له أب يعلم، وقد تكلم في المهد بشيء لم يصنعه أحد من بني آدم قبله.

ويحتجون في قولهم بأنه ثالث ثلاثة، بقول الله تعالى: فعلنا، وأمرنا، وخلقنا، وقضينا؛ فيقولون: لو كان واحدًا ما قال إلا فعلتُ وقضيتُ وأمرتُ وخلقتُ؛ ولكنه هو وعيسى ومَرْيَم وفي < 2-51 > كل ذلك من قولهم قد نـزل القرآن.

فلما كلمه الحَبْران قال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أسْلِمَا" قالا قد أسلمنا. قال: "إنَّكُمَا لَمْ تُسْلِمَا فأسْلِما" قالا بلى، قد أسلمنا قبلك. قال: "كَذَبْتُمَا، يمْنَعُكُمَا مِنَ الإسْلامِ دُعَاؤكُما لله ولدا، وَعِبَادَتُكُمَا الصَّلِيبَ وأكْلُكُمَا الخِنـزيرَ". قالا فمن أبوه يا محمد؟ فَصَمَتَ رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهما فلم يجبهما، فأنـزل الله في ذلك من قولهم، واختلاف أمرهم، صَدْرَ سورة آل عمران إلى بضع وثمانين آية منها.

ثم تَكَلَّم ابن إسحاق على التفسير إلى أن قال: فلما أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر من الله، والفَصْلُ من القضاء بينه وبينهم، وأمر بما أمر به من ملاعنتهم إنْ رَدّوا ذلك عليه، دعاهم إلى ذلك؛ فقالوا: يا أبا القاسم، دَعْنَا ننظر في أمرنا، ثم نأتيك بما نريد أن نفعل فيما دعوتنا إليه، فانصرفوا عنه، ثم خَلَوْا بالعاقب، وكان ذا رأيهم، فقالوا: يا عبدَ المسيح، ماذا ترى؟ فقال: والله يا معشر النصارى لقد عرَفْتم أن محمدًا لنبيٌّ مرسل، ولقد جاءكم بالفَصْل من خَبَر صاحبكم، ولقد علمتم أنه ما لاعَن قوم نبيًا قط فبقي كبيرهم، ولا نبت صَغيرهم، وإنه للاستئصال منكم إن فعلتم، فإن كنتم [قد] أبيتم إلا إلف دينكم والإقامة على ما أنتم عليه من القول في صاحبكم، فوادعُوا الرجلَ وانصرفوا إلى بلادكم.

فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا أبا القاسم، قد رأينا ألا نلاعنك، ونتركك على دينك، ونرجعَ على ديننا، ولكن ابعث معنا رجلا من أصحابك ترضاه لنا، يحكم بيننا في أشياء اختلفنا فيها من أموالنا، فإنكم عندنا رضًا.

قال محمد بن جعفر: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ائْتُونِي الْعَشِيَّة أبعث معكم القوي الأمين"، فَكان عمر بن الخطاب يقول: ما أحببت الإمارة قَطّ حُبّي إياها يومئذ، رجاء أن أكون صاحبها، فَرُحْتُ إلى الظهر مُهَجّرا، فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهرَ سلَّم، ثم نَظَر عن يمينه وعن يساره، فجعلت أتطاول له ليراني، فلم يَزَلْ يلتمس ببصره حتى رأى أبا عُبَيدة بن الجَرَّاح، فدعاه: "اخْرُجْ معهم، فَاقْضِ بينهم بِالْحَقِّ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ". قال عمر: فذهب بها أبو عبيدة، رضي الله عنه .
(4)