[align=justify]أتذكر تلك الكسرة جيداً ، و كنت أحفظها عن ظهر قلب ، قبل ما يزيد على خمسةٍ وثلاثين عاماً ، وهي على أذكر منسوبه للعم ( إبراهيم محمد علي حسن سلامة ) ، والمعروف باسم ( إبراهيم سلامة ) ، و هو من أبناء عمومة أستاذنا الغالي محمود عزازي ، و قد كان العم ( إبراهيم ) يرحمه الله يعمل في ذلك الوقت في الرياض في سلاح الطيران . و كنت أراه في دارنا ، و في منزل العم ( أحمد الغندجلي يرحمه الله ، الملقب بالمليح لكثرة ما يردد هذه الكلمة ) و العم ( حمزة علوي أبو رديف يرحمه الله و الد أستاذنا المهندس / محمد حمزة علوي مدير عام الصيانة في التلفزيون السعودي ) .
و كثيرا ما كنت أسمع أحد أخوالي و الذي كان يعمل مع العم ( إبراهيم ) في نفس الإدارة يقول ــ و إلى وقت قريب ــ بهذا اللفظ ( الله يذكرك بالخير يا عم إبراهيم سلامة ــ و ذلك قبل وفاته التي ليست منا ببعيد ــ ثم يورد الكسرة و لكن الغصن الثالث و كما حفظته من ذلك الوقت البعيد كان ( بس انصحك آه و اوصيكي ) ، و أظنني قرأتها فيما بعد في كتاب ( بلاد الينبعين ) للأستاذ / عبد الكريم الخطيب ، كما أوردها أستاذنا العم / خلف عاشور سيبيه في سلسلة مقالاته التي كان ينشرها تباعا في صحيفة المدينة ، ثم جمعها في كتاب أسماه ( أيام و أيام ) .
و الأعجب من هذا أن هذه الكسرة ــ و لعل ذلك عائد إلى شهرتها ــ كانت تردد و الخطاب فيها لـ ( أملج ) فيقال ( يا أملج اليوم ما مديكي ) .
و لعل المتعمق في معنى الكسرة يجد أنها ترصد عادة اجتماعية كانت مألوفة في ذلك الزمن الجميل ، و هي عادة اجتماع المغتربين الذين كانت الدراسة أو البحث عن لقمة العيش تبعدهم عن مراتع الصبا ، و مرابع اليفاعة ، و كان لها وقع له أثره في النفس ، و متعة لا تعادلها متعة ، يشعر بها كل من كان مغتربا عن أهله من أهالي ينبع و أملج ، و يتحراها الأهل من العيد للعيد ، و تنقلب البلدة إلى مهرجان من الفرح لا يعدله فرح ، و يسهر معه الليل حتى ساعات متأخرة ، و تكثر فيه ( القَـيْـلات ) و الطلعات لضواحي البلدة و الجزر البحرية القريبة . و ياله من مشهد وداع مؤثر حينما يجتمع الأبناء المغتربون عند صاحب السيارة ( الوري ) أو البريد ( المصندق ) التي ستقلهم إلى حيث العمل أو الدراسة. و يكبر هذه العادة في النفس ــ من وجهة نظري ــ صعوبة وسائل المواصلات ، و حالة الطرق في ذلك الوقت .
و أحسب أن الكسرة كانت تعالج هذه العادة بالذات ، و ترصد حادثة بعينها ، و موقفا تعرض له الشاعر لم يمكنه من حضور العيد فيها ــ قد يفيدنا فيه العم عواد عبد الغفار ــ لذا فالشاعر يتحسر على فوات الأوان عليه للوصول إلى ( ينبع ) لحضور العيد فيها ، و ليس لها علاقة بالوضع الحضاري المدني للبلد ، إذ أن الوضع الذي كانت عليه ينبع في ذلك الوقت ــ إذا نظرنا إلى الفترة الزمنية التي قيلت فيها الكسرة ــ هو صورة متكررة لكثير غيرها من المدن التي تشهد الآن حاضرا زاهرا لا تغفله عين منصف .
أقول إن الكسرة ــ في نظري ــ تعالج حالة اجتماعية بحتة ، و ربما كانت تلمح ‘لى عادة اجتماعية غير محببة للنفس يعرض بها الشاعر ، و توظيفها بهذه الطريقة ــ رغم سمو الفكرة ، و سلامة الهدف منها و الاستغلال الذكي لها ــ لإبراز وجه ينبع المشرق في حاضرها الزاهر الآن ، و الذي هو هَـمٌ تحمل أعباءه إبن من أبنائها تسنم فيها مركزاً يبحث عن أوجه التقدم و الرقي المدني للبلد ، هو والدنا الأستاذ / منصور عبد الغفار كما عرفت ذلك فيه من خلال اقترابي منه في شركة الاتصالات السعودية ، التي هو أحد أعضاء مجلس إدارتها الفاعلين ، هذا التوظيف جعل الأراء تتباين بين مبتعد عن السياق ، و مجانب له ، و بين مقارب له و متطابق معه، كما ظهرت فئة ثالثة ــ وهي قلة ــ تقدح في الشاعر بما ورد في بعض كسراتهم من عبارات ، غير منصفة لشاعر مبدع مخلص لبلده و مدينته بما قدمه لكثير من أبنائها، و يحورون المعنى في قوله ( ماعاد فيك العلاج يفيد ) من معناً بريء من العيب في البلد كمدنية و عمران و تطور ، إلى معناً مخالف للمعطيات التي تدل عليها الكسرة في سياقها كما أوردتُ آنفا من ناحية الفترة الزمنية التي قيلت فيها الكسرة . و يحملها مالا تحتمل .
أردت من كل ما سبق أن أثبت للشاعر العم ( إبراهيم سلامة ) يرحمه الله حقا أدبياً هو حريٌ به ، إن صح اجتهادي ، أو أن يبحث عن قائلها الحقيقي ليثب له هذا الحق في كسرة تناقلتها الألسن، و تداولتها أجيال ، تحمل عمقا في المعنى و براعة في التصوير ، و سلاسة في العبارة ، قلما تتوفرفي كسرة من كسرات هذا الوقت الذي كثر فيه الحشف وسوء الكيل . و أن أوضح أن التفسير للعمل المبدع لابد و أن يُـؤخذ في سياقه ، متمثلا أمامه الظروف التي نشأ فيها النص ، و المعطيات التي تدل عليها مفرداته ، كما أن أختلاف الفهم للنص الإبداعي أيا كانت صورته التي خرج بها للناس ؛ قابل للتفسير على عدة أوجه ، و أخيرا أود ان أقول أن الكسرة نص مبدع يمكن أن يكون حافزاً محركا لمشاعر ، و محور تفاعل يلتف حوله الشعراء .
و هذه مساهمتي في ( نقض ) الكسرة إذ أن ( الاعتراض ) و هو مصطلح محرف وضعه صاحب الموضوع منحوت من ( المعارضة ) التي يجب أن تتفق مع النص الشعري العامودي في الغرض ، و الوزن و القافية ، و منه جاءت المعارضات التي ظهرت في صدر الإسلام بين جرير و الفرزدق و غيرهم من شعراء ذلك العصر ، واستمرت بعده . أما في حال كون النص متفق مع النص الأصلي قي الوزن الواقافية معاكس له في الغرض فإنه يسمى نقيض و منه جاءت النقائض و هى مشهورة للشعراء الذين ذكرت آنفاً [/align].
[poet font="Simplified Arabic,6,darkblue,bold,italic" bkcolor="transparent" bkimage="backgrounds/18.gif" border="groove,4,gray" type=2 line=200% align=center use=ex length=0 char="" num="0,black" filter=""]
خضاب الامجاد في يديكي = و قلايد ( المزدهر ) فالجيد
ما بين الأثنين حاديكي = همة و عزم والنظر مايحيد
و الكل همه مراقيكي = و الكسب لقلوب بالتأكيد
تجمعت ، عشقها فيكي = و كل يوم عن يوم في تجديد
[/poet]



رد مع اقتباس

المفضلات