باب : من دلائل نبوئة محمد صلى الله عليه وسلم سكنى اليهود جزيرة العرب :
مما أغفلة كثيرا من الباحثين على طوال التاريخ الإسلامي إلا القليل منهم هو سبب وجود اليهود في جزيرة العرب قبل الإسلام ؟؟ , وما هو سبب قدومه إلى جزيرة العرب من بين جميع أصقاع الأرض الأخرى ؟؟ ,
أما عن سبب قدوم اليهود إلى جزيرة العرب وسكناهم إياها قبل الإسلام فقد نذكرها لأنه قد ذكرها كثير من الباحثين الذين كتبوا عن تاريخ المدينة فلتراجع في مظانها , فنحن لا نريد الإطالة في ذلك فهذا الموضوع قد كتبنا عنه رسالة كاملة ليس هذا محل ذكرها , إنما سنذكر الراجح من الروايات تلك , فمن الروايات التي رووها عن أول سكنى اليهود للجزيرة العربية ما يلي :
قال ابن النجاز في " الدرة الثمينة في أخبار المدينة " :
وإنما كان سكنى اليهود بلاد الحجاز أن موسى عليه السلام لما أظهره الله على فرعون وأهلكه وجنوده , وطئ الشام وأهلك من بها , وبعث بعثا من اليهود إلى الحجاز , وأمرهم ألا يستبقوا من العماليق أحدا بلغ الحلم , فقدموا عليهم فقتلوهم وقتلوا ملكهم بتيماء , وكان يقال له : الأرقم بن أبي الأرقم , واصابوا ابنا له شابا من أحسن الناس , فضنوا به عن القتل وقالوا نستحييه حتى نقدم به على موسى عليه السلام , فيرى فيه رأيه , فأقبلوا وهو معهم وقبض الله موسى قبل قدومهم , فلما سمع الناس بقدومهم تلقوهم , فسألوهم عن أمرهم فأخبروهم بفتح الله عليهم وقالوا : لم نستبق منهم أحدا إلا هذا الفتى فانا لم ننظر شابا أحسن منه فاستبقيناه حتى نقدم به على موسى فيرى فيه رايه , فقالت لهم بنو إسرائيل : إن هذه لمعصيه منكم لما خالفتم أمر نبيكم , لا والله لا تدخلوا علينا بلادنا , فحالوا بينهم وبين الشام , فقال الجيش : ما بلد إذ منعتم بلدكم خير من البلد الذي خرجتم منه , قال : وكانت الحجاز إذ ذاك أشجر بلاد الله وأظهره ماء , قال : وكان هذا أول سكنى اليهود الحجاز بعد العماليق .
وقال آخرون بل كان علماؤهم يجدون في التوراة أن نبيا يهاجر من العرب إلى بلد فيه نخل بين حرتين , فأقبلوا من الشام يطلبون صفة البلد , فنزل طائفة تيماء وتوطنوا نخلا , ومضى طائفة فلما وفوا خيبر ظنوا أنها البلدة التي يهاجر إليها , فأقام بعضهم بها , ومضى أكثرهم وأشرفهم فلما رأوا يثرب سبخة وخرة ونخلا , قالوا : هذا البلد الذي يكون فيه مهاجر النبي إليها , فنزلوه فنزل النضير بمن معه بطحان , فنزلوا منها حيث شاؤوا , وكان جميعهم بزهرة وهي محل بين الحرة والسافلة , وكانت لهم الأموال بالسافلة , ونزل جمهورهم بمكان يقال له يثرب بمجتمع السيول سيل بطحان والعقيق وسيل قناة مما يلي زغابة , قال : وخرجت قريظة وإخوانهم بنو هدل وعمرو ابناء الخزرج بن الصريح بن التومان بن السبط بن اليسع بن سعد بن لاوى بن خير بن النحام بن تنحوم بن عازر بن عذري بن هارون بن عمران عليه السلام , والنضر بن النحام بن الخزرج بن الصريح بعد هؤلاء , فتبعوا أثارهم فنزلوا بالعالية على واديين يقال لهما مذينيب ومهروز , فنزلت بنو النضير على مذينيب واتخذوا عليه الأموال ونزل قريظه وهدل لى مهزور واتخذوا عليه الأموال , وكانوا أول من احتفر بها الأبار وغرس الأموال وابتنوا بها الأطام والمنازل .
قالوا : فجميع ما بنى اليهود بالمدينة تسعة وخمسون أطما , قال عبد العزيز بن عمران : وقد نزل المدينة قبل الأوس والخزرج أحياء من العرب منهم أهل التهمة تفرقوا جانب بلقيز إلى المدينة فنزلت ما بين مسجد الفتح إلى يثرب في الوطاء وجعلت الجبل بينها وبين المدينة فأبرت بها الأبار والمزارع .
" قلت "
الرواية الأولى وهي أن موسى عليه السلام أرسل جيش من بني إسرائيل لقتال العمالقة ليست صحيحة أبدا وقد رواها ابن زبالة في " أخبار المدينة " عن عروة بن الزبير , ورويت كذلك عن غيره .
وقد فصل في الرد على هذه الرواية وما شابهها الدكتور ياسين الغضبان في كتابه " مدينة يثرب قبل الإسلام " فقال :
والقصة على هذا النحو توجه إليها سهام الريب من أكثر من جانب , وليس بالوسع القول بأنها ترقى إلى ما فوق مظنات الشبهات , هذا إن لم تكن هي شبهة وذلك لأسباب كثيرة منها :
ثانيا : إن القرآن الكريم وقبله التوراة يكذبان إرسال جيش إسرائيلي إلى الحجاز , فالقوم الذين جبنوا على أن يدخلوا الأرض المقدسة التي كتبها الله لهم ويصفون أنفسهم بأنهم كالجراد في أعين الجبابرة من بني عناق من سكان كنعان , هؤلاء القوم ليسوا هم الذين يجتازون صحروات بلاد العرب حتى يصلوا إلى يثرب ثم يقوموا بها بمجزرة بشرية تنتهي بإفناء بلد بأسره إلا ولد الأرقم ملكها !! , ثم أليسوا هم أنفسهم الذين حاول الكليم عليه السلام أن يحرضهم على القتال حتى يصدعوا بأمر الله ويدخلوا الأرض التي كتب لهم , إلا أنهم كانوا مع كثرتهم ( تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى .. ) , فكانوا يخافون الحرب ويهابون القتال بعد أن تمكنت منهم المذلة والصغار , ثم فقد صاحوا بموسى كما تروي توراتهم ( ليتنا متنا في أرض مصر في هذا القفر , ولماذا أتى بنا الرب لنسقط بالسيف ؟؟ ) , وليت الأمر أقتصر على هذا فإن التمرد سرعان ما يمتد إلى حد الثورة على موسى شخصيا والمناداة بخلع رياسته , وقيام سلطة جديدة تعود بهم إلى مصر , فقال بعضهم : نقيم رئيسا ونرجع إلى مصر ( سفر عدد 14-3-4 ) . هذه هي النصوص القرأنية والتوراتية , وكلها تتحدث عن جبن الإسرائليين وتقاعسهم عن القتال , أفليس من الغريب بعد ذلك أن يأتي بعض المؤرخين ويا للعجب !! منهم من المسلمين فيزعم أمجادا عسكرية ما كانت لهم أبدا !! , والحق يقال ما زعموها لأنفسهم أبدا .
إن هناك رواية إخبارية أخرى كذلك تقدم سبب مختلفا لإقامة اليهود في المدينة , ذلك أن موسى عليه السلام طبقا لهذه الرواية قد حج إلى بيت الله الحرام ومعه أناس من بني إسرائيل وعند العودة رأوا في موضع المدينة صفة بلد نبي يجدون وصفة في التوراة بأنه خاتم النبيين , ثم فقد أقاموا في سوق بني قينقاع , ثم تأليفت إليهم ناس من العرب فرجعوا عن دينهم , فكانوا أول من سكن المدينة .
" قلت " هذا النص السابق ورد في سفر العدد 14: 2 والنص الذي بعده هو : ( ولماذا أتى بنا الرب إلى هذه الأرض لنسقط بالسيف تصير نساؤنا و أطفالنا غنيمة أليس خيرا لنا ان نرجع إلى مصر !! ) , سفر العدد 14: 3 .
وقال المؤلف ياسين في " مدينة يثرب " بعد أن أورد عدة نقاط بين فيها ضعف هذه الرواية فقال :أما قضية الحج والعمرة إلى مكة فورد في الأحاديث الصحيحة بالتلبية لموسى في البخاري ومسلم وسواهما من كتب الصحاح , يعني تماما قضية الطواف بالبيت بعيدا عن فكرة إرسال جيوش أو سواهما , وربما يكون الحج والعمرة بدافع شخصي بحت تنفيذا لأمر الله تعالى بذلك وبعدد قليل من الناس , وهكذا فلا مجال للتصديق بأن اليهود قد جاؤوا يثرب بزمن موسى عليه السلام .
" قلت "
القول بأن اليهود سكنوا يثرب لأن موسى قد حج البيت الحرام هذا قول بالظن ولا دليل عليه , فما هو الرابط بين حج موسى عليه السلام وسكنى اليهود المدينة النبوية ( يثرب ) ؟؟ , وقد روى كثير من العلماء أن ما من نبي إلا وقد حج بيت الله الحرام , قال عروة بن الزبير : ( أن جميع الأنبياء قد حجوا البيت الحرام إلا هود وصالح فلم يحجا ) رواه ابن زباله في أخبار المدينة , والأزراقي في أخبار مكة , وابن إسحاق , والبيهقي في دلائل النبوة وغيرهم , وأخرج الحاكم في مستدركه , عن بن عباس رضي الله عنهما أنه قال : لقد سلك فج الروحاء سبعون نبيا حجاجا عليهم ثياب الصوف , ولقد صلى في مسجد الخيف سبعون نبيا , والأحاديث والأثار في حج الأنبياء كثيرة , وفي هذه الأثار ذلك إبطال لمن زعم أن اليهود سكنوا المدينة لأن موسى قد حج بيت الله الحرام .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في " الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح " :
وتواتر عن خلق كثير من أهل الكتاب أنه موجود في كتبهم وتواتر عن كثير ممن أسلم أنه كان سبب إسلامهم أو من أعظم سبب إسلامهم علمهم بذكره في الكتب المتقدمة , إما بأنه وجد ذكره في الكتب كحال كثير ممن أسلم قديما وحديثا , وإما بما ثبت عندهم من أخبار أهل الكتاب كالأنصار فإنه كان من أعظم إسلامهم ما كانوا يسمعونه من جيرانهم أهل الكتاب من ذكره ونعته وانتظارهم إياه , ( وأن من خيارهم من لم يوجب له أن يسكن أرض يثرب ( مع شدتها ) ويدع أرض الشام ( مع رخائها ) إلا لانتظاره لهذا النبي العربي الذي يبعث من ولد إسماعيل ) .
" قلت " اليهود كان يعلمون بوقت خروج ذلك النبي المنتظر وعلاماته وصفته بل واسمه وذلك كله يجدونه مكتوب في توراتهم , لكن الذي كانوا يعتقدونه هو أن ذلك النبي سيخرج من جنسهم من بني إسرائيل ولم يكونوا يتوقعوا أن ذلك النبي سيبعث من العرب أو من ولد إسماعيل , لأنهم لم يكونوا أهل كتاب بل ووثنيين ولم يبعث الله منهم أي نبي سابق , ولذلك غرهم بالله الغرور , وفي الكلام السابق لشيخ الإسلام ابن تيمية تصريح صريح من أن بعض من ترك الشام وهاجر إلى المدينة لم يدفعه ذلك إلا لإنتظار ذلك النبي المبعوث في آخر الزمان الذي وجدوا صفة مبعثه في كتبهم , فكلام شيخ الإسلام فيه دليل على صحة ما ذهبنا إليه عندما قلنا أن سبب هجرة اليهود إلى المدينة كانت لانتظار ذلك النبي المبعوث في آخر الزمان .
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية في " الجواب الصحيح " :
وقال أبو العالية وغيره : كانوا يعني اليهود إذا استنصروا بمحمد على مشركي العرب يقولون : ( اللهم أبعث هذا النبي الذي نجده مكتوبا عندنا حتى نعذب المشركين ونقتلهم ) , فلما بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم ورأوا أنه من غيرهم كفروا به حسدا للعرب !! , وهم يعلمون أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله هذه الآيات : ( فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به ) .
وقال أيضا شيخ الإسلام ابن تيمية في " الجواب الصحيح " :
وروى ابن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة الأنصاري ثم الظفري , عن رجال من قومه , قالوا : ومما دعانا إلى الإسلام مع رحمة الله وهداه أنا كنا نسمع من رجال يهود كنا أهل شرك أصحاب وأوثان وكانوا أهل الكتاب عندهم علم ليس عندنا وكانت لا تزال بيننا وبينهم شرور , فإذا نلنا منهم بعض ما يكرهون , قالوا لنا : قد تقارب زمان نبي يبعث الآن نتبعه فنقتلكم معه قتل عاد وإرم !! فكنا كثيرا ما نسمع ذلك منهم فلما بعث الله رسوله صلى الله عليه وسلم رسولا من عند الله أجبنا حين دعانا إلى الله , وعرفنا ما كانوا يتوعدوننا به فبادرناهم إليه فآمنا به وكفروا به ففينا وفيهم نزلت هؤلاء الآيات التي في البقرة : ( ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين ) .
وقال أيضا شيخ الإسلام ابن تيمية في " الجواب الصحيح " :
وقال ابن إسحاق : حدثني عاصم بن عمر بن قتادة , عن شيخ من بني قريظة , قال : هل تدري عما كان إسلام أسيد وثعلبة أبني سعية وأسد بن عبيد نفر من هذيل لم يكونوا من بني قريظة وبني النضير كانوا فوق ذلك ؟؟ , فقلت : لا ! , قال : فإنه قدم علينا رجل من الشام من يهود , يقال له : ابن الهيبان , فأقام عندنا والله ما رأينا رجلا قط لا يصلي الخمس خيرا منه , فقدم علينا قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم بسنين وكنا إذا أقحطنا وقل علينا المطر نقول يا ابن الهيبان أخرج فاستسق لنا , فيقول : لا والله حتى تقدموا أمام مخرجكم صدقة , فنقول : كم ؟؟ , فيقول : صاعا من تمر أو مدين من شعير , فنخرجه ثم يخرج إلى ظاهر حرتنا ونحن معه فنستقي , فوالله ما يقوم من مجلسه حتى تمر الشعاب قد فعل ذلك غير مرة ولا مرتين ولا ثلاثة , فحضرته الوفاة وأجتمعوا إليه , فقال : يا معشر يهود ما ترونه أخرجني من ( أرض الخمر والخمير إلى أرض البؤس والجوع ؟؟ ) , قالوا : أنت أعلم , قال : فإنه إنما أخرجني أتوقع خروج نبي ( قد أظل زمانه هذه البلاد مهاجرة ) , فاتبعوه ولا تستبقن إليه إذا خرج يا معشر يهود ! , فإنه يبعث بسفك الدماء وبسبي الذراري والنساء ممن يخالفه , ولا يمنعنكم ذلك منه ثم مات , فلما كان الليلة التي فتحت فيها قريظة , قال أولئك الثلاثة الفتية وكانوا شبانا أحداثا : يا معشر يهود والله إنه الذي ذكر لكم ابن الهيبان , فقالوا : ما هو به !! , قال : بلى والله إنه لصفته , ثم نزلوا فأسلموا وخلوا أموالهم وأولادهم وأهاليهم , قال ابن إسحاق : فلما فتح الحصن رد ذلك عليهم .
" قلت " هذا الأثر رواه البيهقي في السنن الكبرى , وابن سعد في الطبقات الكبرى , والقرطبي في الإعلام بما في دين النصارى من الأوهام , والبيهقي في دلائل النبوة , وابن إسحاق في السيرة النبوية , وابن السكن وأبو نعيم في الصحابة حكاه السيوطي في الخصائص .
وروى ابن عساكر في " تاريخ مدينة دمشق " :
أنبأنا أبو القاسم علي بن أحمد بن بيان الرزاز , أخبرنا أبو البركات الأنماطي , أنبأنا أبو الفضل بن خيرون , أنبأنا أبو القاسم بن بشران , أنبأنا أبو علي بن الصواف , أنبأنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة , أنبأنا عقبة بن مكرم , أنبأنا المسيب بن شريك , أنبأنا محمد بن شريك , عن شعيب بن شعيب , عن أبيه , عن جده , قال : كان بمر الظهران راهب من الرهبان يدعى عيضا من أهل الشام , وكان متحفرا بالعاص بن وائل , وكان الله تعالى قد أتاه علما كثيرا وجعل فيه منافع كثيرا لأهل مكة من طب ورفق وعلم وكان يكرم صومعة له ويدخل مكة في كل سنة فيلقى الناس , ويقول : ( إنه يوشك أن يولد فيكم مولود يا أهل مكة , يدين له العرب ويملك العجم , هذا زمانه ومن أدركه وتبعه أصاب خيرا كثيرا , أو قال أصاب حاجته ومن أدركه وخالفه فقد أخطأ حاجته وتالله ما نزلت أرض الخمير والخمير والأمن ولا حللت أرض البؤس والجوع والخوف إلا في طلبه ) ,
وكان لا يولد بمكة مولود إلا سئل عنه , فيقول : ما جاء بعد , فيقال : صفه ؟؟ , فيقول : لا , ويكتم ذلك الذي قد علم أنه لاقي من قومه مخافة على نفسه أن يكون ذلك داعية إلى أدنى ما يفضي إليه من الأذى يوما !! , فلما كان صبيحة اليوم الذي ولد فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج عبد الله بن عبد المطلب حتى أتى غيضا , فوقف في أصل صومعته ثم نادى : يا غيضا , فناداه : من هذا ؟؟ , فقال : أنا عبد الله , فأشرف عليه فقال : كن أباه ! , فقد ولد ذلك المولود الذي كنت أحدثكم به يوم الاثنين ويبعث يوم الاثنين , قال : فإنه قد ولد لي مع الصبح مولود , قال : فما سميته ؟؟ , قال : محمدا , قال : والله لقد كنت أشتهي أن يكون هذا المولود فيكم أهل البيت ( لثلاث خصال بها نعرفه ) فقد أتى عليهن منها أن نجمه طلع البارحة , وأنه ولد اليوم , وأن أسمه محمد , أنطلق إليه فإنه الذي كنت أحدثكم عنه أبنك , قال : فما يدريك أنه أبني ولعله أن يولد يومنا هذا مولودون عدة ؟؟ , قال : قد وافق أبنك الأسم ولم يكن لله عز وجل ليشبه علمه على العلماء لأن حجة وآية ذلك أنه الآن وجع , فيشتكي أياما ثلاثة ثم يعافى , فأحفظ لسانك فإنه لم يحسد حسده أحد قط , ولم يبغ على أحد كما يبغى عليه , وأن يعين عليه حتى يبدو معالمه ثم يدعو يظهر لك من قومك مالا يحتمله إلا على صبر على ذلك فاحفظ لسانك , قال : فما عمره ؟؟ , قال : إن طال عمره أو قصر لم يبلغ السبعين يموت في وتر دونها من الستين أو في إحدى وستين أو ثلاث وستين الستون أعمار جل أمته ,
قال : وحمل برسول الله في عاشوراء المحرم , وولد يوم الاثنين لثنتي عشرة خلت من رمضان , سنة ثلاث وعشرين من غزوة أصحاب الفيل .
" قلت " هذا الأثر رواه أبو نعيم في الدلائل حكاه السيوطي في الخصائص , وابن عساكر في تاريخ دمشق , وابن كثير في البداية والنهاية ,
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في " الجواب الصحيح " :
ودلائل نبوة المسيح ومحمد قطعية يقينية لا يمكن القدح فيها بظن , فإن الظن لا يدفع اليقين لاسيما مع الآثار الكثيرة المخبرة بأن محمدا كان مكتوبا باسمه الصريح فيما هو منقول عن الأنبياء , كما في صحيح البخاري أنه قيل لعبد الله بن عمرو : أخبرنا ببعض صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في التوراة ؟؟ , فقال : إنه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن , يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وحرزا للأميين أنت عبدي ورسولي سميتك المتوكل لست بفظ ولا غليظ ولا صخاب بالأسواق ولا تجزي بالسيئة السيئة ولكن تجزي بالسيئة الحسنة وتعفو وتغفر ولن أقبضه حتى أقيم به الملة .
وروى ابن سعد في " الطبقات الكبرى " :
أخبرنا محمد بن عمر , وحدثني الضحاك بن عثمان , عن مخرمة بن سليمان , عن كريب , عن ابن عباس , قال : كان يهود قريظة والنضير وفدك وخيبر يجدون صفة النبي صلى الله عليه وسلم عندهم قبل أن يبعث وأن دار هجرته المدينة فلما ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم , قالت أحبار يهود : ( ولد أحمد الليلة هذا الكوكب قد طلع , فلما تنبأ قالوا : تنبأ أحمد قد طلع الكوكب كانوا يعرفون ذلك ويقرون به ويصفونه فما منعهم إلا ( الحسد والبغي ) .
" قلت " ورواه أبونعيم في الدلائل حكاه السيوطي في الخصائص , وذكره ابن القيم في هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى .
وقال الإمام ابن القيم الجوزية في " هداية الحيارى " :وقال أبو الشيخ الأصبهاني : , حدثنا أبو يحي الرازي , حدثنا سهل بن عثمان , حدثنا علي بن مسهر , عن داود , عن الشعبي قال : , قال عمر بن الخطاب : كنت أتي اليهود عند دراستهم التوراة فأعجب من موافقة التوراة للقرآن , وموافقة القرآن للتوراة , فقالوا : يا عمر ما أحد أحب إلينا منك لأنك تغشانا , قلت : إنما أجيء لأعجب من تصديق كتاب الله بعضه بعضا , فبينما أنا عندهم ذات يوم إذ مر رسول الله صلى الله عليه وسلم , فقالوا : هذا صاحبك , فقلت : أنشدكم الله وما أنزل عليكم من الكتاب أتعلمون أنه رسول الله ؟؟ , فقال سيدهم : قد نشدكم الله فأخبروه , فقالوا : أنت سيدنا فأخبره , فقال : إنا نعلم أنه رسول الله !! , قلت : فإني أهلككم إن كنتم تعلمون أنه رسول الله لما لم تتبعوه ؟؟ , قالوا : ( إن لنا عدوا من الملائكة وسلما من الملائكة , عدونا جبريل وهو ملك الفظاظة والغلظة وسلمنا ميكائيل وهو ملك الرأفة واللين !! ) , قلت : فاني أشهد ما يحل لجبريل أن يعادي سلم ميكائيل ولا لميكائيل أن يعادي سلم جبريل ولا أن يسالم عدوه , ثم قمت فاستقبلني رسول الله صلى الله عليه وسلم , فقال : ألا أقرئك آيات نزلت علي قبل ؟؟ , فتلا : ( من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله ) , الآية , قلت : والذي بعثك بالحق ما جئت إلا لأخبرك بقول اليهود , قال عمر : فلقد رأيتني أشد في دين الله من حجر
" قلت " رواه الواحدي في أسباب النزول , وابن أبي شيبة في مصنفة , وابن شبة في أخبار المدينة . وقال المتقي الهندي في " كنز العمال " : رواه البيهقي في سننه , وأسحاق ابن راهويه في مسنده , وابن جرير الطبري في تفسيره , وابن أبي حاتم في تفسيره , وسنده صحيح لكن الشعبي لم يدرك عمر , وروى سفيان بن عيينة في تفسيره عن عكرمة نحوه وله طرق أخرى مرسلة .
المفضلات