( من أخبار وتاريخ بواط ) :
بواط :
هو موضع يبعد عن المدينة 80 كيلوا مترا وهو من مواضع وديار قبيلة جهينة القضاعية , ويقع غرب المدينة النبوية على طريق تبوك , ومفرق طريقة قبل أن تصل إلى المليليح بجوار القلاع الأثرية وهي القلاع التي شيدها الأتراك العثمانيون خلال بنائهم لسكة حديد الحجاز وهي السكة التي بناها عبد الحميد الثاني وشارك في دفع تكاليف بنائها جميع المسلمين , وهذه القلعة تقع اليوم على الطريق العام عند مفرق تبوك المليليح المسمى طريق ( وادي الحمض ) , وقد كان سابقا طريقا صحراويا أما اليوم فهو طريق معبد مسفلت فأول ما تبدأ بـ ( ملل , ضبوعة , بواط , الجفر , الأشعر ) وهو الطريق الذي سلكه النبي صلى الله عليه وسلم عند ذهابه لغزوة العشيرة بينبع , وفرش ( بواط ) هي بيضاء اللون سهلة مستوية فيها بعض من كثبان الرمال .
" يقول ابن غنيم "
يروي المؤرخون وأهل المعاجم والبلدان خطأ بقولهم أن بواط هو ( جبل بواط ) فبواط : لدي هو عبارة عن سلسلة جبال تتخللها أودية وشعاب ومن فضل الله علي أنني زرت ( بواط ) – بحمد الله - ووقفت عليه مرات عديدة وقد صعدت جباله قبل سنوات برفقة بعض الإخوة إلى قمم تلك الجبال وقد شاهدنا أن هذه الجبال يكاد يتساوى حجمها وارتفاعها مع جبال رضوى وهي ذات ارتفاعات عاليه وشاهقة تعدى ارتفاعها الألفين متر عن سطح الأرض ويسكنها في الوقت الحاضر فروع من قبائل جهينة القضاعية , كذبيان وسنان وبني كلب وقبائل أخرى جميعها جهنية النسب , ويمر بين تلك الجبال طريق صحراوي شديد الإلتوى والوعورة لا تسلكه إلا سيارات الدفع الرباعي وهو طريق صغير الحجم طويل جدا عانينا في صعوده كربا شديدا يبلغ طوله حوالي خمسة عشر كيلوا مترا وأكثر وهو طريق عملت به وزارة المواصلات والطرق قبل عشرة سنوات تقريبا لسكان تلك المنطقة وخلال الطريق تشاهد بعض الآبار وقد توقفنا عند إحدى تلك الآبار وكان بجوار البئر شجرة سياله عظيمة الحجم شديدة الخضرة يروى أن عمرها أربعمائة عام حدثنا بذلك أحد أبناء البادية من قبيلة بني ذبيان الجهنية من أهل تلك المنطقة , وهذا المسلك الوعر ينتهي بك بقمم ( جبال بواط ) فعندما تصل إلى القمة تشاهد أمامك من جهة الشمال الغربي جبل الأشعر المسمى اليوم ( الفقرة ) وتجد أن قمم جبال بواط متساوية له في الارتفاع وتكاد تلتصق به من جهة الشمال حتى أن المباني المشيدة على جبل الأشعر المسمى اليوم بـ ( الفقرة ) تراها بعينيك والمسافة الفاصلة بينهما لا تتجاوز بضع كيلومترات تقريبا ومن جهة الغرب تطل عليك منطقة ينبع النخل والعيص , ومما يؤسف أن الاهتمام بذلك الجبل ضعيف جدا حيث أنه هذا الموقع يصلح لأن يكون منتزها سياحيا لو وجد له اهتمام وتنمية حيث أن ( جبال بواط ) من حيث الحجم هي أكبر من الأشعر المسمى بـ ( الفقرة ) وإن كان الطقس والجو في كلا الجبلين متساويا لأنهما بنفس الارتفاع ومتجاورين وتختلف ( جبال بواط ) عن جبل الأشعر ( الفقرة ) بأن الأخير صغير الحجم وكذلك شديد الوعورة جدا ولا توجد به شعاب وأودية إلا في قمته أما ( جبال بواط ) فهي كبيرة جدا حجمها يتعدى حجم الأشعر بأضعاف أضعاف المرات وفيها متسع وشعاب وأودية وقيعان وأبار وبساتين ومنازل فهذه ميزة أخرى فضلت بها ( جبال بواط ) جبل الأشعر , فهو منتزه سياحي لا مثيل له في المنطقة لو وجد له عناية واهتمام من أهل الشأن !! .
ويقول شاعر الرسول حسان بن ثابت الأنصاري القحطاني – رضي الله عنه – يصف موضع ( بواط ) : .
[poem=font="Simplified Arabic,6,blue,normal,normal" bkcolor="transparent" bkimage="" border="none,4,blue" type=0 line=0 align=center use=ex num="0,black"]
لمن الدار أقفرت ببواط=غير سفع رواكد كالغطاط
تلك دار الألوف أضحت خلاء=بعدما قد تحلها في نشاط
دارها إذ تقول ما لابن عمرو=لج من بعد قرية في شطاط
بلغاها بأنني خير راع=للذي حملت بغير أفتراط
رب لهو شهدته أم عمرو=بين بيض نواعم في الرياط[/poem]
إلى أخر الأبيات وهي طويلة .
" يقول ابن غنيم المرواني الجهني "
يفتتح هنا حسان - رضي الله عنه - قصيدة بمطلع يتساءل فيه عن حال ( بواط ) قائلا : لمن الدار أقفرت ببواط , ومطلع هذه القصيدة يذكرني بقصيدة الأخرى التي قد شابهتها بالمطلع والتي يقول فيها : لمن الدار أوحشت بمعان , فحسان رضي الله عنه يصف ما ألت إليه ( بواط ) وأمورها من الخراب وقد عاث بها الزمن حتى غدت خلاء , ثم يجيب نفسه مسليا ومجيبا قائلا : غير سفع رواكد كالغطاط , والسفع هو الحجارة السود ومفردها سفعة أي حجرة سودا وتسمى واحدة الأثافي سفعة , وذلك بسبب سوادها الذي سببه لهيب النار , رواكد : أي سواكن بلا حراك , وقد وهم البكري وهما فاحشا بقوله في " معجم ما استعجم " ( نواط ) : بفتح أوله وبالطاء المهملة في آخره على وزن فعال موضع في ديار بكر من كنانة قال حسان : لمن الدار أوحشت بنواط , فأقول : لا يعرف أبدا موضع يقال له نواط , ولو وجد فهذه الأبيات إنما هي ( ببواط ) الواقع بين ينبع والمدينة , وهذه القصيدة هي من القصائد التي قالها حسان رضي الله عنه في الجاهلية ولذلك يذكر فيها معشوقتة وهي أم عمرو , ويقول عن بواط ديار محبوبتة " تلك دار الألوف أضحت خلاء , فقد ذكر حسان أن موضع بواط كان معمورا في ذلك الزمن ثم بعده أصبح خلاء وقفار ولعل ذلك بسبب رحيل ( أم عمرو ) وأهلها من تلك الديار , ولذلك وصفها بشي من المبالغة بقوله دار الألوف أضحت خلاء , والله أعلم .
" قلت "
وقوله : ( الغطاط ) : هو نوع من الطيور البرية من فصيلة القطأ ويكثر وجوده في منطقة الحجاز سمي بالغطاط نسبة لصوته غطا غطا وهو يشبه الحجل بلونه وشكله الخارجي ولكن طعم لحمه يختلف كثيرا فالحجل لون لحمة أبيض كلحم الدجاج , أما الغطاط فهو يميل إلى الحمرة القاتمة ولحمة فيه شي من القسوة ويختلف الغطاط عن الحجل أيضا بالجناحين فالغطاط أقوى من الحجل بالجناحين كثيرا لأن الحجل ضعيف الجناحين جدا في طيرانه وهو لا يطير إلا لمسافات قصيرة جدا بل ولا يتعدى ثلاث إلى أربع مرات من الطيران ثم بعدها ينهكه التعب فلا يستطيع الطيران ويمكنك بعدها الإمساك به إن لم يختفي بداخل الحجارة والصخور , وأما الغطاط فيمكنه الطيران إلى مسافات بعيده جدا , وكذلك يختلف الغطاط عن الحجل في أماكن وجودهما فالغطاط يتواجد تحت الأشجار والقيعان وقلما تجده في الجبال ويتواجد قريب من الآبار والمياه ووقت خروجه هو في آخر النهار عند مغيب الشمس حيث يتوجه لأماكن وجود المياه كالآبار والعيون والبرك وذلك لشرب فيتواجد حتى إذا أغلس الظلام رجع إلى أماكنه .
" قلت "
والقطا في موضعه يعمل مفاحص له يلبد بداخلها حتى أنك لا ترى منه إلا الرأس , أما عن عمله مفاحص في الأرض فذلك لأنه نوع من أنواع القطا والقطا وقد ورد في الحديث قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( من بنى لله مسجدا ولو كمفحص قطاة بنى الله له بيتا في الجنة ) , ومعلوم أن مفحص القطاة صغير جدا لا يتسع إلا لحجمها ولكن النبي صلى الله عليه وسلم قال ذلك لترغيب في بناء المساجد بيوت الله وبيان عظم أجر من فعل ذلك وأهميته , قال ابن سلام في غريب الحديث : مفحص القطاة يعني موضعها الذي تجثم فيه وإنما سمي مفحصا لأنها لا تجثم حتى تفحص عنه التراب وتصير إلى موضع مطمئن مستو ولهذا قيل فحصت عن الأمور إذا أكثرت المسألة عنها والنظر فيها حتى تصير منها إلى أن تنكشف لك .
" قلت "
والقطا الطائر المعروف سمي بذلك نسبتا لصوته قطا قطا وجمعه قطوات وقطيات , وفي المثل يقال : أصدق من قطاة .
قال العرب : هذا المثل وضربت به القطاة مثلا للصدق وقرنتها بالصدق وذلك لأن صوتها حكاية لاسمها فهي عندما تصوت تقول قطا قطا , وهو صوت واحد لا تغيره ولا تبدله وصوتها مطابقا لاسمها فتطابق الاثنان الصوت والاسم فصار صوتها حكاية لأسمها ولذلك ذهبت مثلا للصدق .
قال النابغة الذبياني :
[poem=font="Simplified Arabic,6,blue,normal,normal" bkcolor="transparent" bkimage="" border="none,4,blue" type=0 line=0 align=center use=ex num="0,black"]
تدعو القطا وبه تدعى إذا نسبت=يا صدقها حين تلقاها فتنتسب [/poem]
وقال الكميت الأسدي :
[poem=font="Simplified Arabic,6,blue,normal,normal" bkcolor="transparent" bkimage="" border="none,4,blue" type=0 line=0 align=center use=ex num="0,black"]
لا تكذب القول إن قالت قطا صدقت= إذ كل ذي نسبة لا بد ينتحل[/poem]
وروى البخاري في " صحيح البخاري " فقال :
قال بن إسحاق : أول ما غزا النبي صلى الله عليه وسلم : الأبواء , ثم ( بواط ) , ثم العشيرة .
وقال الحافظ ابن حجر في " فتح الباري " :
( وأما بواط ) : فبفتح الموحدة وقد تضم وتخفيف الواو وأخره مهملة , جبل من جبال جهينة بقرب ينبع , قال بن إسحاق : ثم غزا في شهر ربيع الأول يريد قريشا أيضا حتى بلغ ( بواط ) من ناحية رضوي ورجع ولم يلق أحدا .
قال الحافظ ابن حجر في " فتح الباري " :
( وغزاة بواط ) : كانت في السنة الثانية من الهجرة قبل وقعة بدر , وكان النبي صلى الله عليه وسلم خرج في مائتين من أصحابه يعترض عيرا لقريش فيها أمية بن خلف فبلغ ( بواطا ) وهي : بضم الموحدة جبال لجهينة مما يلي الشام بينها وبين المدينة أربعة برد فلم يلق أحدا فرجع .
وقال النووي في " شرحه على صحيح مسلم " :
( بواط ) : هو بضم الباء الموحدة وفتحها والواو مخففة والطاء مهملة , قال القاضي رحمه الله تعالى : قال أهل اللغة : هو بالضم وهى رواية أكثر المحدثين , وكذا قيده البكري وهو جبل من جبال جهينة , قال : ورواه العذري رحمه الله تعالى بفتح الباء وصححه بن سراج .
وقال العيني في " عمدة القاري " :
( بواط ) : وهو بضم الباء الموحدة وتخفيف الواو بعد الألف طاء مهملة , قال الصغاني : بواط جبل من جبال جهينة من ناحية ذي خشب وبين بواط والمدينة ثلاثة برد أو أكثر .
وقال السيوطي في " الديباج على مسلم " :
( بواط ) : بضم الموحدة , وقيل : بفتحها واو مخففة وطاء مهملة , جبل من جبال جهينة .
وقال الصاغاني في " العباب الزاخر واللباب الفاخر " :
( وبواط ) : بالضم , جبال جهينة من ناحية ذي خشب , وبين ( بواط ) والمدينة على ساكنيها السلام ثلاثة برد أو أكثر , وغزوة من غزوات رسول الله صلى الله عليه وسلم يعترض عير قريش , قال حسان بن ثابت رضي الله عنه :
[poem=font="Simplified Arabic,6,blue,normal,normal" bkcolor="transparent" bkimage="" border="none,4,blue" type=0 line=0 align=center use=ex num="0,black"]
أمن الدار أقفرت ببواط=غير سفع رواكد كالغطاط[/poem]
الغطاط : القطا .
باب غزوة بواط :
هي الغزوة الثانية بعد غزوة ودان أو الأبواء خرج فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه الشريفة يوم الثلاثاء في الثالث من شهر ربيع الأول من السنة الثانية للهجرة 2 هـ ومعه مائتين من الصحابة رضي الله عنهم وكان حامل لواء المسلمين في تلك الغزوة سعد بن أبي وقاص رضي الله وكان الهدف من تلك الغزوة هو اعتراض قافلة لقريش فيها مائة رجل مشرك وألف وخمسمائة بعير وقيل ألفان وكانت القافلة بقيادة أمية بن الخلف الجمحي فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بواط وهي من منازل وديار قبيلة جهينة وجلس بها منتظر مرور القافلة ربيع الأول وربيع الأخر وقيل حتى جمادي الأول ولم يلق حربا فرجع في أحسن حال إلى خير مآل , وكان مسلكه إلى بواط من المدينة مرورا بضبوعة إلى فرش ملل وهناك صلى تحت شجرة وشرب وتوضأ من بئر يقال له بئر المشيرب , وبواط هو إلى ينبع النخل أقرب منه إلى المدينة بينه وبين المدينة ثمانين كيلوا متر أما بين بواط وينبع النخل فمن خلال وقوفي عليه أتوقع أن المسافة بينهما لا تتعدى الثلاثين كيلوا متر , وبواط أو جبال بواط شقان يسيل منهما وادي يصب في وادي إضم ( وادي الحمض ) ويطلق على بواط بواطان بواط الغوري وبواط الجلسي , فالغور : هو أسم يطلق على كل ما أنخفض موضعه من الأرض فمثلا غور تهامة ويقال غار الماء أي انخفض وقل , الجلسي ما خود من الجلس وهو أسم يطلق على كل ما ارتفع من الأرض فيقولون جلس نجد وتسمى نجد بالجلس لارتفاعها , وقال الماوردي وفي الجلسي والغوري تأويلان :
أحدهما : أنه أعلاها وأسفلها وهو قول عبد الله ابن وهب .
والثاني : أن الجلسي بلاد نجد والغوري بلاد تهامة وهذا قول أبي عبيدة ومنه قول الشماخ :
[poem=font="Simplified Arabic,6,blue,normal,normal" bkcolor="transparent" bkimage="" border="none,4,blue" type=0 line=0 align=center use=ex num="0,black"]
فمرت على ماء العذيب وعينها=كوقب الحصى جليسها قد تغورا [/poem]
" قلت "
وفي حديث طويل عند الطبراني في الكبير قال كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف : الجلس القرى والجبال , والغور ما بين الجبال والبحار , واختار النبي صلى الله عليه وسلم سلك هذا الطريق لسهولته فمن المندسة إلى ضبوعة وفرش ملل وفرش بواط جميعها أرض سهله مستوية أكثرها رمال وفيها كثير من المياه والآبار والبساتين وهي لا تزال عامرة إلى اليوم ويسكن ملل وما جاورها بعض من قبائل جهينة وحرب .
وقال المؤرخ ابن حبيب في تاريخه خلال حديثة عن غزوة بواط :
[poem=font="Simplified Arabic,6,blue,normal,normal" bkcolor="transparent" bkimage="" border="none,4,blue" type=0 line=0 align=center use=ex num="0,black"]
أيها السائر المجد تلفت=نحو رضوى وانزل بأرض بواط
فيها حل أشرف الرسل طرا=خير هاد إلى سواء الصراط [/poem]
وللحافظ ابن عساكر قصيدة طويلة سماها : ( بواعث الفكرة في حوادث الهجرة ) وفيها :
[poem=font="Simplified Arabic,6,blue,normal,normal" bkcolor="transparent" bkimage="" border="none,4,blue" type=0 line=0 align=center use=ex num="0,black"]
وثان صيام فطرة أم كعبة=وغزوة ودان بواط لمغنم
عسير وبدر عرس عائش مثله=البتول وموت لابن مظعون أكرم [/poem]
,,, والباب القادم دلائل النبوة التي حدثت بأرض بواط ,,,
المفضلات