المداخلة الأولى ..
الرديح فن على وشك الانهيــار
مقدمـة :
من المعروف قبل أن أبدأ أن الفنون الشعبية متعلقة بالنواحي الوجدانية للشعوب ، ولذلك ارتبطت بمناسباتهم ، وظلوا يؤدونها من وحي خواطرهم وأنسهم ، ولهذا بقى بينهم كـ( إرث ) تناقلته الأجيال .
الرديح أحد هذه الفنون الشعبية ، بل يأتي في مقدمة هذه الفنون التي تتميز بنظام دقيق في أداءه ، وفي الاستعداد له ..
ظهر هذا (الرديح) من ينبع النخل وكلنا يعلم خصائص تلك الأرض فالقرايا ملتصقة والحياة الاجتماعية وطقوس العيش شبه متوحدة بين الجميع . ولما كان هذا الإرث مزدهرا في تلك لفترة كان يؤدى في كل المناسبات ، وأحيانا بدون مناسبات (الهجدات ) .
كانوا شعراء تلك الفترة يؤدون هذا الفن من باب الهواية وإشغال الوقت .
وظل فيها لفترة لا نعلم مقدارها ، ثم انتشر قبل أربعة عقود تقريبا بفضل أهالي الينبيعن إلى مدن جدة وأملج .. ليظهر مسمى جديد على الساحة يعرف بـ( صفوف المدن ) .
ومع هذا حافظ الرديح على توهجه وتواجده إلى آخر بقايا الرعيل الأول (الكرنب ، حجيج ، عايد ، ذيبان ، بنيه ، الصيدلاني ، أبو مازن ) وقل ما يحدث في صفوه التعكير ، حتى بدأوا بالأفول نجما .. نجما .. وظهر جيل جديد ..
قدر لهذا الرديح وبعد عقود من التوهج أن يخبو ، وأن لا يقام إلا في مناسبات نادرة حتى وصل إلى درجة الانهيار بأسباب لا تخفى على العارفين .
الشعراء سبب في انهيار الرديح
بعد جفاف العيون وانتقال أهالي ينبع النخل إلى المدن المجاورة اختفت الهجدات ، وأصبح الرديح لا يقام إلا في ( الأفراح ) ، وحتى يقام يحتاج إلى ثلاثة عناصر لابد من اكتمالها لنجاحه (الشعراء ، البحرية ، صاحب المناسبة) ..
أما الشعراء فحدث ولا حرج .. ففي كل ( صف ) ما يقارب من عشرة شعراء يتفاوتون بالشاعرية منهم القائد ومنهم من يأتي ليسجل اسمه ، وتحول شاعر الرديح إلى منصب يبحث عنه الشعراء وغير الشعراء ، وليتهم إن اجتمعوا اجتمعوا على الحب بل العكس مختلفون في كل شيء وقد تصل بينهم إلى تحزبات داخل الصف الواحد ، مما أثر على (الكلام) وأصبحنا لا نحفظ من لياليهم إلى (الهوشات) .
عندما ظهرت الثنائيات في الرديح كانت تقوم على مبدأ (الأخوة) فأنا كشاعر لا يمكن أن أقبل من الآخر غصنا أو كلمة إن لم أنظر له بمنظار الأخوة وسمو النظرة ، ولهذا تميزت ثنائيات (الكرنب وعايد) و (الكرنب وذيبان) .. إلخ . وليتها بقت كما هي بل تعدت لتكبر وتكبر لتصبح مع مرور الوقت (عشاريات) ..
والنظرية تقول أنه "كلما قل شعراء الصف كلما كان شعرهم أفضل وأقوى" ..
كثرت المشاكل بين الشعراء وبين الصفوف ، وأصبح فلان لا يريد فلانا ، والصف الفلاني لا يقابل الصف الفلاني ، حتى وصلت إلى درجة التشابك بالأيدي ، مما سبب عزوفا لدى الناس بعمومهم ( شعراء وبحرية وأصحاب مناسبات وجمهور) عن إقامتها وحضورها .. وأصبحت الفجوة كبيرة بين جيل وجيل ..
فجيل الشباب اليوم قلة من يعرف (الرديح) ، وقلة جدا من يهتم به ، وليت شعراؤنا شعوا بالجريمة التي اقترفوها بحق موروثهم بل على العكس تجدهم ينافحوا ويتشدقوا بحفاظهم على موروثهم ويحاربون كل من يبحث عن طريقة لإخراجه إما لأن الوضع (مناسب لهم) ولو تغير سيكشفهم ، وربما لضحالة فكرهم ..
سأذكر في القادم .. صاحب المناسبة والبحرية ..
